اشتراطُ التأمين على الواسطات البحرية للحصول على رخصة التشغيل يحمل في جوهره وعداً للمواطن والمستثمر بحماية حقيقية عند وقوع الخطر. الورقة الإدارية أثر جانبي لهذا الوعد، والوعد هو الأصل.
وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل ما نشتريه اليوم لقواربنا حماية، أم وثيقة تعبر بنا بوابة الترخيص؟
فلسفة التأمين تقوم على فكرة بسيطة: تجميع المخاطر لتخفيف أثرها على الجميع. وتحوُّل التأمين إلى متطلب نظامي منفصل عن جودة الحماية يدفع السوق إلى التركيز على إصدار الوثيقة أكثر من بناء المنظومة التي تمنحها قيمتها.
التأمين الإلزامي في أصله قرار سليم، والتجارب الدولية تسانده. الملاحظة الهندسية أن الإلزام وصل قبل اكتمال بناء السوق.
فالسوق التي دخلت الإلزام قبل أدوات قياس الخطر، ومنظومة المسح البحري، وقواعد تقييم الوحدات، وشبكة الورش المعتمدة، وقاعدة البيانات الموحدة للحوادث، تجد نفسها مضطرة إلى تسعير المجهول. وعند تسعير المجهول، يدفع الجميع ثمن عدم اليقين.
وملامح هذا الثمن ظاهرة في أوراق السوق نفسها. وثيقة لقارب مرخص لنقل اثني عشر راكباً، سقف مسؤوليتها في الحادثة الواحدة نصف مليون ريال، مبلغ يقل عن ديتين لقارب يحمل اثنتي عشرة روحاً. والسقف ذاته إجمالي للسنة كاملة، فالحادثة الأولى قد تستهلك حماية العام كله. وسيارة بخمسة مقاعد تحمل سقف عشرة ملايين بقسط مئات الريالات، فتفوق الحماية المتاحة لراكبها نظيرتها لراكب القارب بعشرات الأضعاف. العلاقة معكوسة تماماً: كلما زادت الأرواح على المتن، قلت الحماية المتاحة لكل منها. ووثيقة مُصدَرة سارية لقارب تجاري مرخص لنقل الركاب، تحصر المسؤولية المغطاة في الأشخاص من غير الطاقم والركاب، فيقف الراكب الذي قامت الرحلة لأجله خارج تعريف الحماية التي اشتُريت باسمه. ووثيقة باسم الهيكل والآلات تستثني أعطال الآلات، والمحرك أغلى ما في القارب وأكثره عطباً. ووثيقة لنشاط سياحي تستثني المسؤولية عن الطعام المقدم على متن الرحلة، والضيافة جوهر الرحلة.
هذه بنود مكتوبة، تصف نتيجة التسعير في غياب القياس، قبل أي حكم على أحد.
وتتسع الأسئلة مع عمر الأسطول. كيف يمكن تقييم قارب مضى على بنائه خمسون عاماً؟ ومن يحدد قيمته إذا تغير محركه أكثر من مرة؟ ومن يوحد معايير تقييمه؟ وكيف تُبنى قاعدة بيانات دقيقة إذا كانت بعض الوحدات القديمة تفتقر إلى بيانات تعريفية مكتملة وسجلات فنية موحدة؟
ثم يأتي السؤال الأصعب.
إذا وقع حادث بسيط، فهل سيدخل مالك القارب في دورة مطالبات طويلة قد تؤثر في سجله، أم سيتحمل الإصلاح بنفسه؟ وإذا أصيب أحد العاملين، هل تُسجَّل الواقعة مطالبة تأمينية أم إصابة عمل؟ وإذا غابت الحوادث عن السجل، فمن أين ستولد البيانات التي يعتمد عليها التسعير؟
السوق لا تتعلم من الحوادث التي لا تُقاس. وفي قلب هذه المعادلة يقف من يدفع القسط. إذا كان الهدف من الإلزام حماية المؤمَّن لهم، فلماذا يشعر كثير من ملاك القوارب أن أكبر فائدة يحصلون عليها من الوثيقة هي استكمال متطلبات الترخيص؟ ومتى تصبح جودة الحماية هي المعيار الذي تتنافس عليه الشركات، قبل سرعة إصدار الوثيقة؟
هذا سؤال مشروع، يفرضه الواقع قبل أن يطرحه المقال. وإصدار الوثيقة هو اليوم المؤشر الأبرز الذي تُقاس به السوق. سرعة التعويض ورضا المؤمَّن لهم وجودة إدارة المطالبات ما زالت خارج مؤشرات القياس المعلنة، فتتجه المنافسة طبيعياً إلى الوفاء بالمتطلب النظامي أولاً، ويبقى تطوير تجربة المؤمَّن له أبطأ من طموح السوق. هذه نتيجة بنيوية تصنعها مؤشرات القياس، والنتائج البنيوية تُعالج بتطوير المؤشرات.
وتظهر النتيجة ذاتها في غياب الحوافز. صاحب القارب الذي يستثمر في تدريب طاقمه وأجهزة سلامته وصيانته الدورية وأنظمة تتبعه، يدفع اليوم قسطاً يقارب قسط من ترك ذلك كله. وفي الأسواق الناضجة، إدارة الخطر تُكافأ بالتسعير. وباستواء المجتهد والتارك في القسط، تفقد السوق أقوى أدواتها لرفع السلامة: مصلحة المالك نفسه. وهذه فلسفة تأمين كاملة، قبل أن تكون ملاحظة تشغيلية.
وتبقى طبقة أعمق. فالمسَّاح البحري أساس الحقيقة الفنية التي تُبنى عليها المطالبات، قبل أن يكون شخصاً يعاين القارب. واختلاف التقييم باختلاف الأشخاص يجعل البيانات نفسها عصية على المقارنة.
والورش المعتمدة جزء من صناعة التأمين ذاتها. فكيف تُقدَّر تكلفة الإصلاح إذا كانت أغلب الأعمال تُنفذ خارج منظومة فنية موحدة؟
ثم نصل إلى المفارقة. كل هذه العناصر ما زالت في طور البناء، والتأمين أصبح شرطاً للحصول على رخصة تشغيل الواسطة البحرية. أي أن المستثمر أصبح مطالباً بشراء منتج تنتظر بيئته الاكتمال كي يحمل قيمته الحقيقية. والحصول على الوثيقة صار أسهل من الحصول على الحماية، فتحول التأمين من وسيلة لإدارة الخطر إلى متطلب إداري لإكمال المعاملة.
وهذا وصف للمنظومة قبل أن يكون نقداً لأحد. شركات التأمين تعمل ضمن إطار تنظيمي قائم يحكم التغطيات البحرية وحدودها، والجهات المنظمة تواصل تطوير القطاع البحري على أكثر من مسار. والغاية من هذه السطور إسنادُ هذا الجهد بصورة من الميدان، تُضاف إلى ما لدى صانع القرار من صور، وتُبنى على الصورة المكتملة بيئة استثمارية محترفة.
فالمنظومة الناجحة تبدأ بقياس الخطر، ثم تبني قاعدة بيانات، ثم تعتمد المسَّاحين، ثم تطور الورش، ثم تنضج المنافسة، ثم يأتي التأمين الإلزامي تتويجاً لهذا البناء. وجَعْل التأمين أول خطوة، وأدوات القياس ما زالت تتشكل، معادلة صعبة على الجميع: شركات التأمين والمستثمرين والجهات المنظمة، كل طرف يحاول إدارة خطر تنتظر أدوات قياسه الاكتمال.
والسوق الجاذبة تُبنى بخمسة مبادئ تصميم، كل مبدأ منها يسد فجوة قائمة في الأوراق المتداولة. حد أدنى للتغطية يرتبط بعدد الركاب المرخص، فتنمو الحماية بنمو الأرواح على المتن. وسقف للتحمُّل بنسبة معلنة من القيمة المؤمَّنة، لتحتفظ الوثيقة بمعناها في الحوادث المتوسطة قبل الكوارث. وتسعير يقرأ عمر القارب وصيانته وتجهيزاته عبر مسح موحد. من يستثمر في السلامة يدفع أقل. وتغطية على قدر النشاط نفسه: قارب الضيافة تُؤمَّن ضيافته، وقارب الغوص غوصه، وقارب الركاب ركابه. وقاعدة تناسب في الضمانات، يؤثر الإخلال فيها بقدر صلته بالخسارة، على نهج الأسواق التي حدثت تشريعات التأمين فيها خلال العقد الماضي.
خمسة مبادئ تحول الوثيقة من شرط عبور إلى ميزة تنافسية، وتحول السوق من عبء على المستثمر إلى سبب إضافي لدخوله.
نجاح التأمين يُقاس بعدد المؤمَّن لهم الذين شعروا أن الوثيقة أنصفتهم ساعة احتاجوها، وبسرعة إعادة الناس إلى أعمالهم بعد الحوادث، وبالثقة التي تسبق التوقيع وتصمد بعد الحادث. عدد الوثائق الصادرة مؤشر مبيعات، والإنصاف عند الحاجة مؤشر نجاح.
فالغاية أوسع من أن يحمل كل قارب وثيقة. الغاية أن يحمل كل قارب حماية يمكن الوثوق بها.
*قبل أن تُؤمِّن، قِس. والحماية التي تُوثَق، بنت القياس.*





