المقالات

حين ينضب النفط… يبقى العقل البشري

ليست الأمم بما تختزن تحت أقدامها من ثروات، وإنما بما تحمله عقول أبنائها من علم وإبداع. فالنفط الذي غيّر وجه الاقتصاد العالمي كان نعمةً عظيمة، لكنه مورد ناضب، أما المعرفة فهي الثروة الوحيدة التي تزداد كلما أُنفق منها.

استوقفتني مقدمة ملف «ما وراء النفط» في مجلة الفيصل الثقافية، إذ طرحت سؤالًا عميقًا: ماذا بعد النفط؟ وهو سؤال لا يتعلق بانتهاء مورد اقتصادي فحسب، بل بمستقبل الإنسان والمجتمع عندما تتغير مصادر القوة في العالم.

لقد أسهم النفط في بناء المدن والجامعات والمستشفيات والبنية التحتية، ونقل دول الخليج إلى آفاق تنموية واسعة، غير أن جميع الموارد الطبيعية مهما عظمت تبقى محدودة العمر، بينما يظل الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الذي لا ينضب.

قال الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وفي هذه الآية إشارة إلى أن رفعة الأمم تبدأ من العلم قبل المال. وقال سبحانه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾، وهي دعوة إلى حسن توظيف النعم واستثمارها.

ويقول بيتر دركر: «المعرفة أصبحت المورد الاقتصادي الأساسي»، بينما لخّص فرانسيس بيكون الفكرة بقوله: «المعرفة قوة». ولذلك استطاعت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة أن تبني اقتصادات عالمية رائدة رغم محدودية مواردها الطبيعية، لأنها جعلت الإنسان محور التنمية.

ومن هنا تأتي أهمية التحول نحو اقتصاد المعرفة، وهو ما تمضي إليه المملكة العربية السعودية في رؤية 2030، عبر الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والابتكار والتقنية وريادة الأعمال، ليصبح النفط وسيلة لبناء اقتصاد متنوع ومستدام، لا المصدر الوحيد له.

إن النفط قد ينضب، والأسعار قد تتقلب، أما العقل البشري إذا أُحسن تعليمه وتمكينه فلن يعرف النضوب. فالآبار يمكن أن تجف، لكن العقول المبدعة قادرة على أن تكتشف آبارًا جديدة من الأفكار والاختراعات والفرص. وحين تنجح الأمم في صناعة الإنسان، فإنها تكون قد امتلكت الثروة التي لا تنفد، والمستقبل الذي لا يخشى تقلبات الأسواق.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى