في المملكة العربية السعودية، لا يُنظر إلى التراث على أنه صفحات من الماضي، بل يُعد جزءًا أصيلًا من الهوية الوطنية، وجسرًا يربط الأجيال بتاريخها وقيمها. ومن هذا المنطلق، يحق لكل سعودي أن يفخر بوطنه، كما يحق له أن يعتز بانتمائه لأسرته وعائلته وقبيلته ومنطقته ومجتمعه طالما هو يحمل هوية الاسرة السعودية الواحدة دون تفرقة بين مكوناتها وما دام ذلك الاعتزاز يندرج تحت مظلة الوطن الواحد وراية التوحيد.
في مختلف مناطق المملكة تتجلى صور الاعتزاز بالموروث الشعبي، حيث تحتفظ كل منطقة بخصوصيتها الثقافية وتراثها المتوارث، الذي سُجل بعضه في قائمة التراث الإنساني لدى اليونسكو، فيما لا يزال البعض الآخر في طريقه إلى التسجيل، ليؤكد ثراء المملكة وتنوعها الثقافي والحضاري.
ومؤخرًا، لفتت قبيلة كعب بني عمرو (في منطقة عسير جنوب المملكة) لفتت الأنظار محليًا ودولياً وقدمت نموذجًا مشرفًا في المحافظة على الموروث الشعبي، من خلال كرنفال تراثي مميز أُقيم بمناسبة زواج الشاب الشاعر المحبوب عبدالله الشايب العمري من اسرة آل مهدي العريقه في بني رافع ،، حيث لم يكن ذلك المشهد مجرد احتفاء بزفاف، بل كان احتفاءً بالهوية التراثية ، واستحضارًا لذاكرة المكان، ورسالة وفاء لتراث الآباء والأجداد.
في تلك المناسبة التي شهدها يوم الثلاثاء 14 صفر 1448هـ الموافق 28 يوليو 2026م ازدانت المناسبة بالأزياء التقليدية، والبنادق التراثية، والعرضة، والمداقيل، والزِقاف والمظاهر الشعبية الأصيلة، في لوحة وطنية جسدت أصالة الماضي وحيوية الحاضر، وشارك فيها أبناء القبيلة بمختلف مكوناتها شارك في ذلك الكرنفال شيوخاً ورجال أعمال، مسؤولين، وأكاديميين، وشباب يحملون شغف المحافظة على الإرث الثقافي، مؤمنين بأن التراث مسؤولية مشتركة تتناقلها الأجيال.
ولعل أجمل ما حملته هذه المناسبة أنها أكدت أن المجتمع السعودي قادر على الجمع بين الأصالة والمعاصرة ، فهو مجتمع يواكب التنمية، ويشارك في البناء والإنتاج، وفي الوقت نفسه يحافظ على موروثه الثقافي، باعتباره أحد أهم روافد الهوية الوطنية، وذلك بفضل ما توليه القيادة الرشيدة من اهتمام كبير بالثقافة والتراث، حتى أصبحا جزءًا من رؤية المملكة وحاضرها ومستقبلها.
كما عكس الكرنفال بما حمله من (مداقيل) متعدده وصلً عدد المشاركين الى 500 رجل تقريباً في زي موحد ونقلةُ رِجْلٍ موحدة معتمرين بنادق المقمع وابو فتيل بالبارود (بدون رصاص طبعاً) ومِعراض مُميز بالاف الرجال مع فن (الزِقاف) الذي يتولاها عدد محدود من اثنين الى اربعه رجال متمرسين يدخلون وسط (صولة المِعراض) ويرمي بيد واحدة البندق في السماء ثم يتلقفها ومن ثم يُطلق البارود مع زملاءه ، وصوت وايقاع (الزير والزلفه) مع قصائد حماسية في الوطن والتآلف والمديح لهذا الموقف المشرف ،، كلُ ذلك يعكس عمق التلاحم الاجتماعي بين أبناء القبيلة ، ورسخ قيم المحبة والتكافل والتعاون، مؤكدًا أن المناسبات الاجتماعية ليست مجرد لحظات للفرح، بل مناسبات لإحياء العادات الأصيلة، وتعزيز أواصر الأخوة، وترسيخ القيم التي نشأ عليها المجتمع السعودي.
لقد انتظمت الصفوف، وتميزت المداقيل، وتعانق صوت العرضة مع صدى الجبال وتداخل البارود مع الضباب في مشهد أعاد إلى الأذهان ما قاله الشاعر الدكتور عبدالواحد الزهراني قبل عدة سنوات في مناسبة مماثلة ببني عمرو:
عندما يتعانق الغيم والبارود
والتقى صوت المقاميع والرعود
(كَن)سطح الأرض ما تنبت إلا بندق
والسماء ما تمطر إلا عمارية
الواقع ان ذلك النجاح لهذا الكرنفال لم يكن وليد جهود فردية، بل كان ثمرة تعاون وتكاتف بين أبناء القبيلة، وشيخها، وأسرة آل مهدي، واللجنة المنظمة، والجهات الحكومية ذات العلاقة، في صورة حضارية تعكس وعي المجتمع السعودي، وقدرته على تنظيم مناسباته بما يليق بقيمه وتراثه، ويؤكد أن الاعتزاز بالموروث لا ينفصل عن الاعتزاز بالوطن وقيادته.
إن ما شهدته بني عمرو ليس مناسبة تخص قبيلة بعينها، بل هو نموذج وطني يعبر عن رجال الحجر بصفة خاصة و جميع مناطق المملكة بصفة عامة بتنوع موروثها الثقافي، في صورة تتحدُ في ولائها وانتمائها ،، لتبقى المملكة العربية السعودية وطنًا يجمع بين تآلف الأسرة الواحدة ويؤكد الأصالة والتطور، ويحفظ تراثه بوصفه ركيزة من ركائز هويته الوطنية.
وفي الختام، نسأل الله أن يبارك للعريس عبدالله الشايب العمري، وأن يرزقه حياة زوجية سعيدة عامرة بالمودة والسكينة، وأن يديم على وطننا الغالي نعمة الأمن والاستقرار، ويحفظ قيادته، ويصون تراثه الأصيل، ليظل مصدر فخر لكل سعودي يعتز بأرضه، وتاريخه، وهويته.
والى الامام يا وطن العشق والجمال
والسلام ختام
محمد بن عبدالله العمري حدة
alamri4@yahoo.com





