كتاب الرأي

في رحاب عروس السحاب:حين يزهو الفرد بالعزوة

في أمسيةٍ من أمسيات السبت البهيّة، حيث ازدانت السماء بالسحب وتوشحت الجبال بالعبق، تشرّفتُ بتلبية دعوة شخصٍ عزيز على قلبي لزواجه الميمون في منطقة الباحة، تلك المنطقة التي استحقّت بجدارة لقب “عروس السحاب”. كانت الأجواء أكثر من رائعة، تنعم بالأمن والأمان في وطنٍ يحتضن الحب، ويسكنه السلام، ويتوشح بالجمال.
لم يكن الحفل مجرد مناسبة عابرة، بل كان لوحةً حيّة ترسم أصالة المكان وأهله. كان الاستقبال رائعاً، مفروشاً بالود ومكلّلاً بابتسامات العريس وجماعته وقبيلته. وفي خضمّ هذا الزهو، تجلّى مشهدٌ يأسر القلب ويثير الإعجاب: وقوف العريس بين أهله وجماعته وقبيلته، لم يكن حضوراً شكلياً، بل كان تجسيداً حيّاً لمعنى الاجتماع والمحبة.
في تلك اللحظة، وفي ظلّ تلك الهامات الشامخة، أدركتُ يقيناً حقيقةً اجتماعية ونفسية عميقة: (أن الإنسان قليل بنفسه، كثير بأهله وجماعته وقبيلته).
ما رأيته لم يكن مجرد عادات، بل هي “الفزعة” بمعناها الأسمى، و”العزوة” التي يشعر معها المرء بالسند والقوة. حين يقف الإنسان بين من ينتمي إليهم، يزول عنه ضعف الفردية، وتكسوه روعة الجماعة. هنا يتحوّل الإنسان من فردٍ واحد، إلى جبلٍ لا تُهزه الرياح، يستمدّ قوّته من ترابط أهله، وعزّته من وقوف قبيلته إلى جانبه. هذا هو السند الحقي، وهذا هو الفخر الذي لا يُقاس بالمال، بل يُقاس بالانتماء.
وما يزيد هذه الليلة تميّزاً، هو أن هذه العادات الجميلة والأعراف النبيلة والقيم السامية التي شهدناها في الباحة، ليست حكراً على منطقة دون أخرى، بل هي خيوطٌ متّسقة تنسج نسيجاً واحداً في كل مناطق المملكة العربية السعودية. من تهامة إلى نجد، ومن الحجاز إلى أقاصي الشمال، ومن عسير إلى الباحة، تجد نفس الروح، ونفس الكرم، ونفس معاني الفزعة والسند تحت لواء وطننا الذي هو قبيلتنا الكبرى بكل ما تعنيه الكلمة. وهذا يؤكد لنا الموروث الحيّ الذي يجمعنا، في ظل رؤية 2030 التي جعلت من التراث والهوية ركيزة أساسية للتنمية. وهذه هي الهوية الأصيلة التي نفخر بها، والتي تجعل من وطننا جسداً واحداً إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
ولعلنا نتمكن من نقل هذه الصور الجميلة والقيم النبيلة لأجيالنا الحاضرة لتظل متوارثة وحية بتعاقب الأجيال.
وختاماً، أتقدم بأجمل التهاني والتبريكات للعريس، سائلاً المولى عز وجل أن يبارك له، ويجمع بينه وبين عروسته في خير. كما أشكر أهل الباحة وقبيلة بني حسن زهران على حسن الاستقبال وكرم الضيافة وجمال الفنون الشعبية التي ازدانت بها تلك الليلة الباهية. وأدام الله نعم الأمن والأمان على وطننا وقيادتنا وحفظ حدودنا، وبارك في شبابنا الذين يحرصون على تجسيد قيم الفزعة والعزوة جيلاً بعد جيل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى