جولة قد تكون صادمة في ممارساتنا اليومية بين الواقع المادي والرقمي
تلَقى الجميع صغاراً وكباراً تعليمهم في المدارس في مراحل التعليم العام، ثم انتقل عدد منهم إلى مواصلة دراسته الجامعية. والمعروف أن التعلم الذي يتلقاه الفرد يفترض أن يغير في سلوكه وممارساته، وإذا لم يكن كذلك فعلى الدنيا السلام.
وبإلقاء نظرة سريعة على كثير من ممارسات الأفراد في المجتمع، ومع البيئة التي يعيشون فيها، قد نصدم إلى حد كبير جداً.
ولذلك أدعوكم من خلال هذه المقالة إلى مشاركتي هذه الجولة السريعة حول بعض الممارسات التي يقوم بها البعض، سواء في واقعنا المادي أو في العالم الافتراضي والرقمي.
انظر إلى المكان بعد الانتهاء من رحلة إلى أحد المنتزهات ، وكيف تركه الزوار بحالة سيئة ومنظر غير لائق.
يقف قائد إحدى السيارات عند الإشارة، وبيده كأس من القهوة أو الشاي، ليفتح باب السيارة ويضع الكأس على الأرض، ويستمر في قيادة سيارته. أو يلقي علبة العصير من شباك السيارة وهو يسير بسرعة 120 كم/ساعة، وقد يتسبب ذلك في حادث للسيارة الخلفية. والأغرب من ذلك أن يقوم قائد السيارة بالبصق في الشارع، وعلبة المناديل أمامه على اللوحة الأمامية للسيارة.
يدخل عدد من الزوار إلى دورات المياه في موقع سياحي، أو في إحدى الجهات الحكومية، أو في المسجد، فيقومون بتشويه خلفيات الأبواب قبل مغادرتهم. ولا يقف تصرفهم عند هذا الحد، بل يعمدون إلى تحطيم صنبور المياه، مما يؤدي إلى تسرب الماء، وهذا يسهم في تعميق مفهوم الإسراف واللامبالاة.
يجلس بعض الأفراد في صالات الانتظار في المستشفيات أو المطارات أو غيرها، وأمامهم لوحة كتب عليها “فضلاً ممنوع التدخين”، ولا يأبه بذلك، ويشعل سيجارته ويضع إحدى قدميه على الأخرى، ويتابع دخان السيجارة المتصاعد بزهو ونشوة. بل قد يقوم بعض الطلاب بالتدخين داخل قاعات الجامعات وفي الممرات وأمام ناظري بعض أساتذتهم دون مراعاة لأدب أو احترام.
يدخل الطلاب إلى قاعة المحاضرات التي أعدت بشكل جميل ومريح، فيبدأ أحدهم بتشويه ذلك المنظر بممارسة هواياته في الكتابة على المقاعد وجدران القاعة والعبث بمحتوياتها.
يسكن أحدهم في سكن أو فيلا جديدة، ويقوم بتشغيل كل مفاتيح الأنوار والإضاءة في الممرات، والسطوح وعلى الأسوار الخارجية ليلاً ونهاراً، غير مكترث بزيادة الأحمال الكهربائية والإسراف في استخدامها.
يغسل أحد الأبناء يديه أو يتوضأ، ولا يتوانى في الرد على جواله، تاركاً صنبور الماء مفتوحاً، ويتم هدر كمية كبيرة من المياه حتى ينتهي من مكالمته.
تعد سيدة المنزل وربة البيت عدداً كبيراً ومتنوعاً من الأطعمة لوجبة الغداء مثلاً، وبكمية كثيرة جداً، وينتهي الأمر بالأكل المتبقي إلى سلة النفايات.
يقف الضيوف في طابور البوفيه المفتوح لتناول وجبة العشاء مثلاً في أحد الفنادق أو قصور الأفراح، ولا يتوانى البعض منهم في ملء صحنه بكميات كبيرة من السلطات والأطعمة المتنوعة، وهو على ثقة بأنه لن يأكلها جميعها، وينتهي الأمر بذلك إلى حاوية النفايات.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد في عصرنا الحاضر ومع الموجة التقنية والرقمية الجارفة إلى ممارسات لا تقل خطورة عما يحدث في واقعنا المادي وظهرت هناك بعض الممارسات التي أخذت في تلويث البيئة الرقمية بشكل أو بآخر. ومن تلك الممارسات ما يعرف بالتنمر الإلكتروني من خلال التخفي خلف الشاشات وإطلاق السباب والشتائم والتهديد للآخرين.
كما أن انتشار الأجهزة وتواجدها مع الجميع أدى إلى ما يسمى بانتهاك خصوصية الآخرين في المطاعم والمقاهي والمستشفيات وحتى في المناسبات الاجتماعية وتصويرهم ونشر تلك الصور والمقاطع دون استئذان أو موافقة منهم.
بالإضافة إلى أن سيطرة أجهزة الجوال أثناء القيادة أدت إلى تعمد البعض التصوير متجاهلين آداب الطريق والأخذ بأسباب السلامة وما قد يحدث من حوادث مأساوية محزنة.
لم يعد هناك احترام لأوقات البشر فقد تستيقظ صباحاً وتتناول جهاز الجوال وتجد المئات من الرسائل والمقاطع وفي أوقات متأخرة مساءً دون اهتمام بأوقات راحتهم.
أما في المناسبات الاجتماعية فحدث ولا حرج تدخل إلى القاعة فتجد معظم الحضور منكبين على جوالاتهم وقد انحنت رقابهم على متابعة الرسائل والمقاطع ولا يلتفت إليك أحد منهم. تلقي عليهم التحية فلا يردون عليها وتشاهد البعض منهم يضاحك نفسه. فلم يعد هناك تواصل اجتماعي ينطلق من الأحاديث الشيقة والقصص الجميلة والخبرات المتنوعة.
ولعلنا نتذكر ما قاله المؤرخ وعالم السياسة الشهير كريستيان لويس لانج:(التكنولوجيا خادم نافع، لكنها سيد خطير).
وهنا سؤال كبير يطرح نفسه أين يكمن الخلل؟
طالما أن التعليم لم يؤثر في سلوكياتنا وممارساتنا بشكل إيجابي؟ ولا سيما أن “التعليم هو مفتاح إيجاد الحلول وبناء عالم أكثر استدامة”.
سأترك الإجابة للمهتمين والمختصين لإعداد استطلاع واسع مع مجموعة كبيرة ومتنوعة التخصصات من طلاب الجامعة وطالباتها وطلاب التعليم العام، بالإضافة إلى عينة من أفراد المجتمع لتلمس الأسباب وتعرف المبررات والدوافع لمثل هذه السلوكيات والممارسات وتكرارها بشكل مستمر.
ومن خلال الجهود المشتركة والعمل الجماعي، يمكن الوصول إلى رؤى مشتركة قد تسهم في إيجاد بعض الحلول وإنارة الطريق لممارسات إيجابية وواعية في المستقبل.
فالتعليم لا بد وأن يكون ملازماً للتربية، والتربية لا تكتمل إلا بالتطبيق والممارسة. ولنحرص على تواجد القدوة في كل جوانب البيئة المادية والرقمية، والبدء بزراعة بذرة التغيير الإيجابي في المجتمع وفي كل سلوكياتنا وممارساتنا.

