المقالات

هل أنقذتنا السرعة من القراءة أم سرقتنا منها؟

ومع امتداد هذه الأيام المتسارعة، أخذت ألاحظ تراجعاً مؤلماً وهفواتٍ، وسقطاتٍ، ، كان ضحيتها فكر الإنسان، وعقله، ولسانه…

فهل لسرعة القراءة فائدة عميقة أم أنها أولى مراحل الاغتراب الفكري والنفسي للإنسان؟
اليوم، ونحن في حقبة تتسابق فيها الأزمنة وتتسارع فيها عقارب الساعات كأنها اتفقت مع عالمٍ لا يمنحنا فرصة كافية للتأمل، يتلاشى عمق الطرح؛ وكأن الحضارة المعاصرة تعيد هيكلة الإنسان في قالب تشكله الزوايا الهندسية لمتطلباتها، بينما تتراجع حقيقته الفكرية. يُقبل المرء على المقال أو الكتاب أو أي موضوع يصب في اهتماماته، لكن العجلة التي فرضتها المدنيّة الحديثة تجعله يحترق خاطفاً للكلمات دون أن يستوعب جوهرها.
فبينما يغدو الهاتف المحمول “مكتبة جديدة” تنادي الشغوفين، تجيء المشتتات المرافقة له لِتحرم التأملَ من الإقامة طويلاً في عقل القارئ.
ومن ناحية أخرى، تبرز سياسة “اقتصاد الاختصار” المتمثلة في ثقافة العناوين المثيرة، والمقاطع القصيرة لِتُلقي بظلالها على قدرتنا في متابعة المقال الطويل، والرواية، والقصيدة، والفكرة المركبة؛ إذ لم نعد نحتمل التركيز والوقوف طويلاً أمام موضوع يتطلب وقتاً للتفكيك والتحليل، وهو ما يعود على الكاتب والقارئ والمفكر — على حدٍّ سواء — بما لا تُحمد عقباه.

ومن أولى الأسباب في هندسة المنصات الحديثة التي بُنيت على جذب الانتباه المتواصل والتي اعتاد فيها الدماغ على جرعات سريعة ومتلاحقة من “الدوبامين” مع كل تمرير للشاشة مما جعل الصبر على نص طويل يتطلب مجهوداً ذهنياً شاقاً يأنف منه العقل المعتاد على الاستسهال .
بالإضافة إلى وهم تحصيل المعرفة و الكم على حساب الكيف ، لأن العجلة بالقراءة جعلتنا نهتم بعدد المقروء من المكتوب لا المفهوم منها وهنا كارثة أخرى تستوجب منا الانتباه وتنبيه المحيط من القراء كالطلاب أو أبناء الأسر المثقفة وهلم جرى.
ومع ضغوطات الحياة والطغيان المادي والذي امتلأت به الحضارة جعلت الزمن سلعة ثقيلة . وبسبب ذلك يعتبرون التأمل مضيعة للوقت وهو في الحقيقة علاج روحي يعيد للإنسان توازنه .

وللخروج من هذه الأزمة نحتاج إلى تعويد ذواتنا على بطء القراءة وذلك بتخصيص وقت يومي يعزل فيه القارئ نفسه عن العالم ليتفرغ للنص مع رقي متكامل يعيد للعقل هيبته وللروح سكينتها .
ومع القراءة التأملية يستحسن إعادة القراءة بالقلم وذلك بتدوين الأفكار الهامة ، ووضع خط تحت العبارات الملفتة ، والتوقف عند الجمل المهمة والتمهل لتفكيكها .

المقاطع والعناوين وجبة سريعة للإلتهام العقلي والبصري لكنه يورث الذهن خمولاً وضعفاً. لذلك لا بد من التدرج في تدريب عضلة التركيز عبر الانتقال المخطط له من المقالات القصيرة إلى المقالات المطولة ثم الروايات والدراسات المركبة وهكذا .
وفي النهاية لدي سؤال لايقل أهمية عما مضى هل نستطيع الخروج من مضمار هذه العجلة ، أم أن سحر السرعة سيمضي بنا إلى أن ننسى كيف نفكر؟
أوحتى كيف نقرأ ؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى