هناك قرارات نعيش معها أيامًا، وهناك قرارات قد يعيش معها أبناؤنا عمرًا كاملًا، ومن أهمها قرار اختيار شريك الحياة.
قبل ما يقارب خمسة عشر عامًا، قابلت في أحد المستشفيات التخصصية الكبرى أمًّا برفقة طفليها من ذوي الإعاقة. أخبرتني أنها اضطرت إلى ترك وظيفتها لتتفرغ لرعايتهما، وأنها تحتاج إلى عاملة تساعدها طوال الوقت. ومع اقترابهما من سن البلوغ، أصبحت غير قادرة على حملهما أو مساعدتهما وحدها في قضاء احتياجاتهما اليومية، فكانت تحتاج إلى وجود الأب أو أحد الأقارب لمساندتها.
هذه الأم تنازلت عن حياتها الوظيفية وعن جزء كبير من حياتها الاجتماعية من أجل طفليها، كما أنها لم تستطع التفكير في إنجاب أطفال آخرين خوفًا من تكرار التجربة. بقيت قصتها في ذاكرتي، وجعلتني أتساءل: كيف أصبحت جودة حياتها؟ وهل تصورت يومًا، قبل زواجها وتكوين أسرتها، أن تمضي سنوات طويلة من عمرها بين أروقة المستشفيات ومتطلبات الرعاية اليومية؟
جودة الحياة لا تعني فقط غياب المرض، بل تشمل أن يكون الإنسان معافى في بدنه، مستقرًا في صحته النفسية، قادرًا على العمل والعطاء والاستمتاع بحياته، وأن يعيش داخل أسرة مستقرة، ويرى أبناءه يكبرون بصحة وعافية حتى يشقوا طريقهم في الحياة ويبنوا أسرًا سعيدة.
والأمراض الوراثية، خصوصًا في المجتمعات التي يكثر فيها زواج الأقارب، قد تؤثر في جودة حياة الأسرة بأكملها. فالمشكلة لا تقتصر على الزيارات المتكررة إلى المستشفى أو طول رحلة البحث عن التشخيص؛ بل تمتد إلى العمليات، ومواعيد الأدوية، والقلق المستمر، والإجهاد النفسي والجسدي الواقع على الوالدين، إضافة إلى الأعباء المالية وتأثر الإخوة والحياة الزوجية وخطط الأسرة للمستقبل.
وقد تحلم أم بأسرة كبيرة، ثم تتوقف عن الإنجاب خوفًا من تكرار المرض. وقد يضطر أحد الوالدين إلى ترك عمله أو تقليص طموحاته المهنية، وقد تتغير تفاصيل الحياة اليومية للأسرة بالكامل. لذلك فإن الحديث عن الأمراض الوراثية ليس حديثًا عن تشخيص طبي فقط، بل عن أحلام قد تتعطل، وعلاقات قد تتأثر، وجودة حياة قد تتغير لسنوات طويلة.
لكن الخبر الجيد أن كثيرًا من المخاطر الوراثية يمكن تقليلها عندما نعرفها قبل الزواج أو قبل الإنجاب. وقد كانت المملكة العربية السعودية من الدول التي تبنت برنامج الفحص الطبي قبل الزواج للكشف عن فقر الدم المنجلي والثلاسيميا، وهي خطوة مهمة في الوقاية، لكنها تظل محدودة أمام العدد الكبير من الأمراض الوراثية الأخرى.
المشكلة ليست في زواج الأقارب وحده، بل في غياب المعرفة أحيانًا. فإذا اختار شخصان من الأقارب الزواج، فلا يعني ذلك أن نتخذ القرار عنهما أو أن نحكم عليهما، ولكن من حقهما أن يعرفا المخاطر بوضوح. وهنا تأتي أهمية الفحص الوراثي المناسب والاستشارة الوراثية التي تشرح النتائج، ونمط انتقال المرض، ونسبة احتمال إصابة الأطفال، والخيارات المتاحة قبل اتخاذ القرار.
وتقدم تجربة أبوظبي في توسيع الفحوص الوراثية قبل الزواج مثالًا على الانتقال من علاج المرض بعد حدوثه إلى الاستثمار في الوقاية منه قبل تكوين الأسرة. فالمعرفة لا تلغي حرية الاختيار، لكنها تجعل الاختيار أكثر وعيًا، وتساعد الأزواج على حماية مستقبل أبنائهم وتحسين جودة حياة أسرهم.
قد لا نستطيع اختيار الجينات التي وُلدنا بها، لكننا نستطيع أن نختار المعرفة قبل أن ننقلها إلى أبنائنا. فالوقاية ليست رفضًا للماضي، بل مسؤولية تجاه المستقبل، وجودة الحياة لا تبدأ بعد ولادة الطفل، بل تبدأ بالقرارات التي نتخذها قبل تكوين الأسرة.
• ابحاث العقم والذكورة والانجاب