
الحلقة 10
ودارت الأيام.. ومرت الايام ..
ما بين بعاد وخصام ..
وقابلته.. ونسيت إني خاصمته..
معرفش إزاي إزاي أنا كلمته ..
تذكرت هذا المذهب الغنائي من قصيدة مأمون الشناوي التي غنتها كوكب الشرق “ام كلثوم” في مطلع السبعينات الميلادية، تذكرته فعلا “ومن غير ليه” وتوقفت بالتحديد عند “معرفش إزاي إزاي أنا كلمته” فقد وصلنا اليوم إلى الحلقة العاشرة من هذه السلسلة الوثائقية عن رائد الرياضة السعودية ومؤسسها الأمير عبدالله الفيصل -يرحمه الله- الذي تشرفت بلقائه ومعرفته والجلوس والحديث معه وحصلت على موافقته الشفهية و”الخطية” على إصدار كتاب عن سيرته ومسيرته، وفعلا في تلك الفترة المبكرة من شبابي ومشواري الصحفي لم أكن أتوقع أن أحظى من سموه بذلك التجاوب حتى أنني عندما قررت تنفيذ الفكرة لم أخبر أحدا من حولي ووضعت “عدم الموافقة” ضمن الاحتمالات الواردة، وقلت في نفسي لو حدث ذلك سأطوي الصفحة وكأن شيئاً لم يكن؛ لكن الحمد لله تم الأمر وتحقق المراد.
وها نحن اليوم نواصل الحكاية ونتناول جوانب جديدة في سيرة رائد الرياضة وبالتحديد الرياضي عبدالله الفيصل .

• عقل لا يعرف “تمشية الحال”
لا شيء يدفع الإنسان إلى صناعة إنجاز كبير مثل أن تتحول الفكرة في داخله من مجرد اهتمام إلى شغف، ومن الشغف إلى إيمان، ومن الإيمان إلى مشروع. وهذا بالضبط ما حدث مع الأمير عبدالله الفيصل؛ فقد سبقت علاقته بالرياضة مشروعه في تأسيسها، وسبقت ممارسته لها تفكيره في تنظيمها.
فالرجل الذي سيعرفه التاريخ لاحقاً بوصفه رائد الرياضة السعودية وباني نهضتها الأولى، لم يقترب من الرياضة من باب الإدارة أو المسؤولية الرسمية، ولم ينظر إليها بوصفها نشاطاً هامشياً يملأ أوقات الفراغ، وإنما عاشها منذ طفولته، واكتشف فيها مبكراً ما تمنحه للإنسان من قوة وانضباط ومنافسة وحيوية.
كنت في لقاءاتي المباشرة مع سموه وسماعي لحديثه عن تلك البدايات التنظيمية للرياضة السعودية أو حتى خلال بحثي في المصادر المختلفة عن شخصيته ومناقبه وبصماته، كنت أشعر أنني أمام رائد رياضي من طراز خاص فقد كانت الرياضة جزءاً من تكوينه الشخصي قبل أن تصبح جزءاً من مشروعه النهضوي في هذا الوطن.
وقد توقفت مرات عديدة أتأمل عبقريته وقدرته العجيبة في الجمع بين كثير من الاهتمامات والهوايات بكل ما فيها من التداخل والتنوع إلى حد الاختلاف والتناقض، ورغم ذلك يحقق فيها العلامة الكاملة وبامتياز، فقد كان ينشد الاتقان في كل ما يقوم به، لا يحب الأداء العادي ولا يرضى لنفسه “تمشية الحال” حتى ولو كان ما يقوم به من باب الرياضة والترفيه.
بدأت حكايته مع الرياضة في سن مبكرة من قلب الفروسية؛ من الطائف، ومن الإسطبل، ومن صهيل الخيل إلى سباقاتها، ثم إلى عالم «الجوكية»، ومنها إلى الصيد والرماية والمشي والسباحة، علاوة على كرة القدم التي مارسها فوجد فيها مساحة أخرى لشغفه بالحركة والمنافسة.

• “الفارس” الذي بدأت معه الحكاية
ويقول عبدالله الفيصل متحدثاً عن بدايات علاقته بالرياضة:
– بدأت علاقتي مع الرياضة منذ وقت مبكر في حياتي من خلال حبي للفروسية؛ فالوالد – الله يرحمه – عندما كنت في الخامسة من عمري كان يضعني على ظهر الفرس بدون سرج ويترك الفرس تنطلق بي وحدي.. فتعلمت ركوب الخيل وبدأت أشارك في العرضات الخاصة بالفروسية وأنا عمري 8 سنوات، واذكر ان أول سباق شاركت فيه كان عمري يومها عشر سنوات فقط، ويمكن القول إن أكثر عمر شبابي قضيته في ركوب الخيل وتربيتها كهواية إلى أن أحترفت (الجوكية) وشاركت في مسابقاتها التي كانت تقام في الطائف أمام الثكنة العسكرية خلال فصل الصيف، وكان والدي – رحمة الله عليه – ينظم هذه المسابقات ويرعاها، فكنا نخرج معه كل يوم اثنين وجمعة ما بين (300-400) خيّال يتم تقسيم الخيّالة إلي قسمين؛ قسم ينطلق قبلنا ونحن في القسم الثاني (نطاردهم) ونحاول اللحاق بهم إلى مسافات طويلة ومع غروب الشمس نستريح في أحد المقاهي الموجودة هناك ثم نصلي المغرب، وبعد الصلاة نرجع إلى بيوتنا والخيل معنا.
كانت رياضة الفروسية تلقى اهتماماً كبيراً في تلك الفترة ففي الطائف وحدها ما يزيد على ألف رأس من الخيل العربية الأصيلة، وكنت أملك في إسطبلي مائة وعشرين رأساً من الخيل بعضها للمسابقات وبعضها للولادة.
ومن خلال ممارستي للفروسية تفجرت عندي طاقات أخرى نفسية وجسدية، فزادت اهتماماتي الرياضية وتعددت مجالاتها.
• رامٍ لا تخطئ بندقيته
ولم تتوقف علاقته بالرياضة عند الفروسية؛ فالصيد كان امتداداً طبيعياً لذلك العالم الذي نشأ فيه. مارس القنص بالكلاب «السلق»، وسار في رحلات طويلة على قدميه، كما مارس الصيد بالصقور، حتى أصبح مع مرور السنوات صاحب خبرة واسعة في شؤون الصيد والصيادين.
وقد روى لي الأستاذ أحمد حكيم الغامدي بعض المواقف والقصص التي وقف عليها بنفسه حين كان يرافق الأمير عبدالله الفيصل في بعض رحلات القنص، وشاهد عن قرب مهارته الفائقة في الترقب والتربص للطرائد واقتناصها.
وهكذا كان المقناص بالنسبة إليه مدرسة أخرى في الصبر والملاحظة ودقة التركيز والقدرة على التحمل، وهي صفات ستظل حاضرة في شخصيته حتى عندما ينتقل من ميادين الهواية إلى ميادين العمل العام.
أما الرماية بالبندقية، فكانت واحدة من الرياضات التي عُرف عبدالله الفيصل بمهارته فيها، حتى رُوي عنه أنه كان يصيب السيجارة وهي بين شفتي صاحبها.
ولم يتوقف شغفه الرياضي عند هذا الحد؛ فقد كان يجيد المبارزة بالسيف أيضاً، بما يعكس طبيعة شخصية رياضية لم تكن تبحث عن رياضة بعينها، بقدر ما كانت تنجذب إلى كل نشاط يختبر القوة والمهارة والتركيز وسرعة البديهة، ويضع الإنسان أمام تحدي التفوق وإحراز السبق.
• عبدالله الفيصل “الرياضي الشامل”
وفي الماء وجد عبدالله الفيصل رياضة أخرى أحبها ومارسها بانتظام.
كانت السباحة جزءاً ثابتاً من برنامجه اليومي، يمارسها نحو نصف ساعة كل يوم، كما كان يمارس المشي لمسافات تتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات خارج مدينة جدة وأستمر على ذلك حتى في مرحلة متقدمة من عمره.
ولم يكن ذلك مجرد اهتمام بصحة الجسد؛ فقد كان يؤمن بأن الحركة والنشاط جزء من طبيعة الإنسان، وأن الكسل والجمود نقيضان للحياة التي أراد أن يعيشها.
ويقول عبدالله الفيصل عن نشاطه اليومي:
– أنا بطبعي أحب الحركة والنشاط والعمل والانتاج وهذا يشعرني بوجودي وقيمتي كإنسان، وبالتالي أكره الجمود والكسل والجلوس الممل وإذا لم أجد شيئاً يشغلني تجدني اشغل نفسي بأي شيء مفيد وممتع بالنسبة لي كالقراءة والسباحة والمشي وأحياناً أعمل بيدي في حديقة بيتي أو في تربية بعض الحيوانات الأليفة كالتي عندي في “مملكة الدجاج” أو غير ذلك من الأعمال الحركية والانشطة الفكرية، فالمهم عندي ممارسة النشاط طوال النهار ولا أخلد إلى النوم إلا في الليل فأنام مبكراً وأصحو مبكراً .
• زملكاوي عشق توأم الاهلي
ومع كل هذا التنوع الرياضي الذي ملأ حياة عبدالله الفيصل، لم يكن غريباً أن تكون له ميول رياضية شخصية، شأنه في ذلك شأن كل رياضي يتابع المنافسات ويجد نفسه مشدوداً إلى فريق دون آخر. فمن متابعته المبكرة للنشاط الكروي الذي كان يدور في مكة المكرمة وجدة، وحضوره ورعايته لكثير من المباريات والمناورات، ولا سيما تلك التي كانت تجمع فرقاً محلية بفرق البوارج البحرية، وحسب ما أخبرني به شخصياً أنه كان يميل إلى الاتحاد، فاحتل الفريق مكانة خاصة في نفسه، وأصبح يقدم له ما يستطيع من دعم ورعاية ثم تحوّل بعد ذلك إلى حب النادي الاهلي، وقد تناولت قصة هذا التحوّل بالتفصيل في حلقة سابقة من هذه السلسلة.
ولعلني أشير هنا إلى أن ميوله لم تكن محصورة داخل حدود الوطن بعد تجاوزت ذلك؛ فأسفاره المتكررة إلى القاهرة في الأربعينات والخمسينات الميلادية فتحت له باباً آخر من العشق الكروي، فكان في بداية الأمر يميل إلى نادي الزمالك ويشجعه، قبل أن يخطفه الأهلاويون إلى القلعة الحمراء، ويروي سموه ما حدث فيقول:
– في احدى زياراتي للقاهرة كنت ضيفاً على وزير الخارجية حيدر باشا وحضرت معه أول مباراة شاهدتها في مصر وكانت ضد منتخب السودان واقيمت في ملعب الجيش بالعباسية وشاهدت العديد من نجوم كرة القدم في مصر ومنهم المدافع الشهير محمد أبوحباجه وأحمد مكاوي والجندي وغيرهم ورغم أني كنت زملكاوي إلا أن الاهلاوية خطفوني وصرت اهلاوي أي أني عاشق للتوأم “اهلي جدة وأهلي القاهرة” فهما بالنسبة لي كل واحد منهما توأم يكمل الآخر وإن كان أهلي جدة استفاد أكثر من هذه التوأمة سواء من مدربين واداريين ولاعبين وعلاقات وتبادل خبرات.
– ولعل هذه التفاصيل الصغيرة تكشف جانباً مهماً من شخصية عبدالله الفيصل؛ فقد كان يتعامل مع الرياضة بروح الرياضي قبل أن يتعامل معها بعقل المسؤول، يحبها ويعيش منافساتها ويتفاعل مع فرقها وجماهيرها، ومن هذه الروح نفسها بدأت تتشكل رؤيته الأوسع: أن الرياضة ليست فرقاً متنافسة فحسب، وإنما مجتمع رياضي يحتاج إلى رعاية وتنظيم ومؤسسات تحفظ له حيويته وتدفع به إلى الأمام . فمن عشق الفرق ومتابعة مبارياتها، انتقل عبدالله الفيصل إلى التفكير في صناعة البيئة التي تستطيع فيها هذه الفرق أن تنمو وتنافس وتبني مستقبلاً للرياضة السعودية.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لتأسيس الحركة الرياضية السعودية.
فتابعونا في الحلقة المقبلة لتعرفوا كل الحكاية.


