لم تكن زيارة معالي الشيخ الأستاذ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس إلى محافظة بني حسن للمشاركة في حفل جمعية البر الخيرية مناسبة عابرة في روزنامة الفعاليات، فقد حملت معها هدية إعلامية وسياحية للباحة ربما تفوق في قيمتها الكثير من الحملات الإعلانية.
قال الشيخ السديس وهو يتحدث عن الباحة: «هذه منطقة الباحة حيث الصفاء والراحة، والزهور الفواحة، والبلابل الصداحة، والمشاعر الجياشة»، ثم أضاف عبارة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا: «لم أجد في بلاد الدنيا راحة بعد مكة والمدينة والعاصمة الكريمة سوى هذه المنطقة».
كلمات قليلة، لكنها طارت سريعًا بين أبناء الباحة، وتناقلوها بفرح واعتزاز؛ لأنها جاءت من شخصية لها حضورها ومكانتها، والأهم أنها جاءت بعفوية واضحة من ضيف يعيش المكان ويتحدث عن إحساسه به، وليست عبارة أعدت لحملة دعائية أو إعلان سياحي.
وهنا يستحق القائمون على جمعية البر الخيرية بمحافظة بني حسن الإشادة. فقد نجحت الجمعية في استقطاب شخصية بحجم الشيخ عبدالرحمن السديس ضيفًا على جائزة رواد العمل التطوعي 2026م، ومنحت المناسبة بعدًا تجاوز حدود الاحتفاء بالفائزين إلى حضور إعلامي واجتماعي واسع. وهذه واحدة من ثمار نجاح المؤسسات المحلية عندما تفكر في ضيوفها وفي القيمة التي يمكن أن تضيفها المناسبة للمحافظة والمنطقة.
كما أن تلبية الشيخ السديس للدعوة تحمل معنى يستحق التقدير. فالمناصب والمسؤوليات الكبيرة لم تمنعه من الحضور والمشاركة والاقتراب من الناس ومساندة عمل خيري محلي يحتفي بالمتطوعين. وفي ذلك تقدير للعمل المجتمعي وأهله، وخلق كريم يترك أثرًا لدى المضيف قبل الضيف.
لكن الهدية الأجمل للباحة جاءت في تلك الكلمات.
لقد أنصف السديس المنطقة بوصف جميل ومختصر. لم يحتج إلى تعداد مواقعها السياحية أو الحديث عن غاباتها وجبالها وأوديتها وقراها؛ اختصر التجربة كلها في «الصفاء والراحة». وهاتان الكلمتان تحديدًا تمثلان جزءًا كبيرًا مما يبحث عنه السائح اليوم عندما يهرب من صخب المدن وضغوط الحياة.
ووصفه «الزهور الفواحة والبلابل الصداحة» ليس مجرد سجع جميل، بل صورة سياحية مكتملة العناصر: طبيعة وهواء وهدوء وصوت وحياة. وهي صورة يمكن أن تعلق في ذاكرة من يسمعها أكثر من عشرات العبارات الإعلانية المصنوعة.
ولأننا نتحدث عن أثر الكلمة في صناعة الصورة السياحية، تبرز هنا مفارقة تستحق التوقف عندها؛ فوزير السياحة، وهو المسؤول الأول عن هذا الملف، أمضى عدة أيام خلال زيارته للباحة، ومع ذلك لم تعلق في ذاكرة الناس ــ على الأقل إعلاميًا ــ عبارة عن الباحة أحدثت الأثر الذي أحدثته كلمات الشيخ عبدالرحمن السديس في دقائق.
وهنا تظهر قيمة الكلمة عندما تأتي في وقتها ومن قلب صاحبها. فالسديس لم يأتِ إلى الباحة ليقدم حملة سياحية، ولم يكن مطالبًا بتسويق المنطقة، لكنه رأى وتحدث، فطارت كلماته بين أبناء الباحة وتحولت خلال وقت قصير إلى مادة للاحتفاء والتداول.
وهذا هو الفارق بين زيارة تنتهي بانتهاء برنامجها، وكلمة تظل بعد رحيل صاحبها. فالكلمة المبدعة تلتقط روح المكان وتمنحه عبارة تعيش، وصناعة الوجهة السياحية ليست مشروعات وأرقامًا وفعاليات فقط؛ إنها أيضًا قصة جميلة، وصورة ذهنية، وكلمة تعلق في الذاكرة.
لهذا أقول إن السديس أنصف الباحة بكلمات ربما قدمت لها ترويجًا يفوق أثر كثير من المواد الإعلانية، ويبقى على الجهات المعنية أن تحسن استثمار هذه الهدية.
ومن هنا لدي اقتراح أتمنى أن تتبناه الجهات المعنية بالسياحة والأمانة والبلديات في المنطقة: لا تتركوا هذه الكلمات تنتهي بانتهاء المناسبة.
دوّنوا عبارة الشيخ السديس في لوحة جميلة عند مداخل الباحة ومخارجها، وفي مطار الملك سعود، والحدائق والمنتزهات والمواقع السياحية، ولتكن جزءًا من الرسالة التي تستقبل بها الباحة زوارها:
«لم أجد الراحة في بلاد الدنيا مثل الباحة»
عبدالرحمن السديس
ويمكن أن تتحول العبارة كذلك إلى مادة بصرية في الحملات الرقمية والمقاطع السياحية والشاشات وفي مواسم الصيف، لأنها تمتلك أهم ما يحتاج إليه الإعلان الناجح: البساطة، والصورة، والمصداقية، وسهولة الحفظ.
بل أتمنى أن تلتقط الجهات السياحية في الباحة اللحظة بصورة أكبر. فالمناطق السياحية الناجحة تصنع حول هذه الطبيعة ذاكرة وحكاية وصورة ذهنية. وكلمات الشخصيات العامة والزوار المؤثرين جزء من صناعة هذه الصورة.
لقد قدم الشيخ عبدالرحمن السديس للباحة شهادة محبة صادقة، وصاغ لها من دون تكلف عبارة ترويجية جميلة، وتلقفها أبناء المنطقة بفرح لأنهم وجدوا فيها إنصافًا لمكان يعرفون قيمته ويحبونه.
شكرًا لجمعية البر الخيرية بمحافظة بني حسن التي كانت سببًا في هذه الزيارة، وشكرًا لمعالي الشيخ عبدالرحمن السديس الذي لبّى الدعوة وشارك أهل المنطقة مناسبتهم، ثم منح الباحة بكلماته ما يستحق أن يبقى بعد مغادرته.
أما الباحة، فقد كانت كما وصفها ضيفها:
صفاءً وراحة.. وزهورًا فواحة وبلابل صداحة، ومنبعًا للراحة.

