كتاب الرأي

من أسمرة إلى المدينة.. الحلقة الثالثة: الوداع… أول خطوة نحو الحلم

هناك وداعٌ ينتهي عند باب البيت، ووداعٌ يبقى في القلب ما بقي العمر. أما وداعي لوالدي ووالدتي يوم غادرت أسمرة متجهًا إلى المدينة المنورة، فلم يكن مجرد لحظة عابرة، بل كان جرحًا جميلًا لا يزال أثره يسكن ذاكرتي بعد أكثر من ثلاثة عقود. كنت يومها صغير السن، لكنني شعرت لأول مرة أن الإنسان قد يكبر في لحظة واحدة، وأن بعض المواقف تختصر سنوات العمر كلها في دقائق معدودة. استيقظ البيت في ذلك الصباح على غير عادته. لم يكن فيه حديث كثير، ولم تكن فيه ضحكات الأطفال التي اعتدناها، وإنما كان الصمت هو سيد المكان. كان كل واحد منا يحمل في صدره كلامًا كثيرًا، لكن أحدًا لم يكن يملك القدرة على أن ينطقه. كنت أتنقل بين الغرف أنظر إلى جدران البيت، وإلى أشيائي الصغيرة، وكأنني أودعها واحدة واحدة. كنت أعلم أنني مسافر، لكنني لم أكن أعلم متى سأعود، ولا هل سأعود أصلًا. كانت الحرب قد ألقت بظلالها على البلاد، والثوار على أبواب أسمرة، والقذائف تُسمع بين حين وآخر، وانقطاع الكهرباء والماء أصبح جزءًا من الحياة اليومية. لذلك لم يكن السفر مجرد انتقال من بلد إلى بلد، بل كان خروجًا إلى مستقبل لا يعلمه إلا الله. أكثر ما آلمني في ذلك الصباح أنني لم أر والدي عند خروجي من البيت. كنت أبحث عنه بعيني، وأنتظر أن يخرج كعادته، لكنه لم يخرج. سألت عنه، فقيل لي إنه في الداخل. أدركت بعد سنوات لماذا اختار أن يبقى بعيدًا عن باب المنزل. لم يكن ضعفًا منه، بل كان قوة أبٍ يعرف أن دموعه قد تهدم ما بناه من صبر في قلب ابنه. كان يبكي، لكنه لم يُرد لابنه أن يرى دموعه. كان يعلم أنني إذا رأيته على تلك الحال فسأنهار، وربما تعلقت به ورفضت السفر. لذلك تحمل وحده ألم الفراق، واختار أن يكون الوجع من نصيبه وحده. وما أعظمها من تضحية لا يعرفها إلا الآباء. وما زلت كلما تذكرت ذلك المشهد شعرت بوخز في قلبي، لأنني لم أتمكن من احتضانه الاحتضان الأخير، ولم أقبّل رأسه كما كنت أتمنى، ولم أسمع منه آخر وصية وهو يشيعني. كانت آخر صورة رسمتها له في خيالي أنه يجلس داخل البيت، يرفع يديه إلى السماء، ودموعه تسبق دعاءه، يسأل الله أن يحفظ ابنه الغريب، وأن يبلغه مدينة رسول الله ﷺ سالمًا، وأن يرده إليه عالمًا نافعًا لدينه وأمته. أما والدتي ـ رحمها الله ـ فقد كانت قصة أخرى. كانت تحاول أن تبدو قوية أمامي، لكنها لم تكن تستطيع أن تخفي ارتجاف صوتها ولا لمعان الدموع في عينيها. كانت تمسك بيدي بين لحظة وأخرى، ثم تدعو لي، ثم تصمت، ثم تعود إلى الدعاء. كنت أرى في عينيها فرحتين وحزنًا واحدًا. كانت فرحة لأن ابنها سيجاور مسجد رسول الله ﷺ، وسيتلقى العلم في الجامعة الإسلامية، وسيبتعد عن أجواء الحرب والخدمة الوطنية التي كانت تبتلع شباب البلاد. لكنها في المقابل كانت تشعر بمرارة فراق أصغر أبنائها، ذلك الطفل الذي لم تشبع بعد من رؤيته، ولم تتصور أن يأتي يوم يغادرها إلى بلاد بعيدة. خرجت من البيت، لكن قلبي بقي فيه. ركبت السيارة، وكلما ابتعدت بنا عن المنزل شعرت أن شيئًا مني يُنتزع. كنت أنظر من نافذة السيارة، وأحدث نفسي بصوت لا يسمعه أحد: هل سأرى أبي مرة أخرى؟ هل سأعود فأجلس مع أمي كما كنت أجلس كل مساء؟ هل سألتقي بإخوتي وأخواتي مرة أخرى؟ أم أن هذه هي آخر مرة أرى فيها هذا البيت وهذه الوجوه؟ لم تكن هذه الأسئلة مبالغة، فقد كانت البلاد تعيش حربًا لا يعلم أحد متى تنتهي، وكان الموت خبرًا يوميًا، ولذلك كان كل وداع يحمل احتمال ألا يعقبه لقاء. كانت السيارة تشق طريقها في شوارع أسمرة، المدينة التي ولدت فيها، وعرفت أزقتها، وحفظت مساجدها ومدارسها. كنت أنظر إليها وكأنني أراها لأول مرة، وأخشى أن تكون آخر مرة أيضًا. وصلت إلى مطار أسمرة، فإذا به أشبه بثكنة عسكرية. الجنود في كل مكان، والأسلحة تحيط بالمداخل، والتفتيش شديد، والوجوه يكسوها التوتر الذي صنعته سنوات الحرب. وما إن دخلت حتى وجدت نفسي وحيدًا تمامًا. لأول مرة في حياتي أقف وحدي أمام الموظفين، يحمل كل واحد منهم أسئلة لا أعرف كيف أجيب عن بعضها، وأتنقل بين النوافذ وأنا أحاول أن أخفي خوفي. لم يكن معي أبٌ يجيب عني، ولا أخ أكبر يسندني، ولا قريب يطمئنني. كنت وحدي، لكنني لم أشعر أنني متروك، فقد كان يقيني أن الله الذي فتح لي باب المدينة لن يضيعني في الطريق إليها. وبينما كنت أتنقل بين إجراءات السفر، كانت المدينة المنورة لا تغيب عن خاطري. كنت أردد في نفسي ما كان يقوله شيخنا الشيخ محمود محمد علي بخيت ـ رحمه الله ـ: “إذا أطلقت كلمة المدينة، فلا تنصرف إلا إلى مدينة رسول الله ﷺ، فهي المدينة التي خرج منها نور الإسلام إلى العالم، ومنها بدأت أعظم حضارة عرفتها البشرية.” كانت تلك الكلمات تملأ قلبي سكينة، حتى إن الخوف كان يتراجع كلما تذكرت أن وجهتي هي مدينة الحبيب ﷺ. وبعد انتهاء الإجراءات، جلست في صالة المغادرة وحدي. كم مرة جئت إلى هذا المطار لأودع مسافرًا أو أستقبل عائدًا، لكنني لم أتخيل يومًا أن أجلس فيه وحدي، لا يلوح لي أحد بيده، ولا أسمع صوت أبي يوصيني، ولا أرى دموع أمي وهي تودعني. هناك شعرت لأول مرة أن الإنسان إذا تعلق بالله لم يعد وحيدًا، ولو خلا من كل الناس. وقبل السفر كان بعض الناس يقولون لي: “لا تطمئن حتى تصعد إلى الطائرة، فكثير من المسافرين يعودون قبل الإقلاع.” لذلك بقي قلبي معلقًا حتى سمعت النداء الأخير. حملت حقيبتي الصغيرة، ومشيت بخطوات مترددة نحو باب الطائرة. وعندما وضعت قدمي على سلم الطائرة المتجهة إلى أديس أبابا، التفت إلى الخلف للمرة الأخيرة. لم يكن هناك أحد يودعني، لكنني كنت أشعر أن دعوات والدي، ودموع والدتي، وقلوب أهلي جميعًا كانت تصعد معي إلى السماء. عندها أيقنت أن الرحلة قد بدأت حقًا، وأنني لم أعد ذلك الطفل الذي خرج من بيته قبل ساعات، بل أصبحت مسافرًا في طريق سيغيّر الله به حياتي كلها.

أ.د. فايد محمد سعيد

الأمين العام للمجلس الأعلى لمسلمي أوروبا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى