من السهل أن تجد أشخاصًا يتحدثون ساعات عن الأخلاق، والاحترام، والرقي، وثقافة الحوار… لكن الصعوبة أن تجد هذه الكلمات حاضرة عندما تتعارض المصالح.
فالمبادئ عند بعض الناس تشبه الملابس الرسمية؛ تُلبس في المناسبات، ثم تُعلَّق في الخزانة عند أول خلاف.
ولذلك لا تختبر الناس في أيام الوفاق، بل راقبهم عندما تتقاطع المصالح، فهناك تسقط الأقنعة بلا استئذان، وتظهر الحقيقة كما هي، لا كما كانت تُسوَّق في المجالس.
والمفارقة المؤلمة أن بعض من يرفعون شعارات الوعي والثقافة، ويحملون أعلى الشهادات العلمية، ويُكثرون من الحديث عن القيادة والإدارة والحوكمة والاحتراف… لا يحتاجون إلا إلى خلاف بسيط حتى يعودوا إلى أول صفحة من تاريخ البشرية!
فبدل أن يحتكموا إلى العقل… يحتكمون إلى الحناجر.
وبدل أن ينتصر المنطق… تنتصر الأعصاب.
وبدل أن تُحل المشكلة بالحوار… تُدار بالأيدي!
عندها لا تعرف هل أنت أمام أساتذة جامعات… أم أمام مشهد من سوق قديم فقد فيه الجميع أعصابهم.
وهنا يتبخر بريق الشهادات، لأن الشهادة ليست شهادة حسن خلق، ولا وثيقة تثبت الاتزان، ولا صكًا يمنح صاحبه الحكمة.
كم من إنسان لا يحمل إلا قدرًا يسيرًا من التعليم، لكنه إذا اختلف ازداد احترامًا، وإذا غضب ازداد حلمًا.
وكم من صاحب لقب طويل، إذا مست مصلحته، اختصر كل سنوات الدراسة في قبضة يد!
ولذلك قال النبي ﷺ:
«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.»
هذا الحديث وحده يهدم أوهامًا كثيرة؛ فالقوة ليست في إسكات الخصم، بل في إسكات الغضب.
والمؤلم أكثر، أن بعض العلاقات لم تكن يومًا قائمة على المحبة، بل كانت شركة مصالح غير مسجلة.
يتبادلون الابتسامات الصفراء ما دامت المكاسب مشتركة ويتبادلون عبارات الثناء ما دامت الكراسي متقاربة فإذا تبدلت المصالح تحول صديق الأمس إلى خصم اليوم وانكشف أن ما كان بينهم لم يكن وفاء بل هدنة مؤقتة.
وهنا نتذكر قول الله تعالى:
﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾.
فالصداقات التي تُبنى على التقوى والمبدأ السامية تعيش أما التي تُبنى على المنفعة فإن أول خلاف يكشف أنها كانت اتفاقًا تجاريًا أكثر منها علاقة إنسانية.
ولعل أكثر ما يثير السخرية أن بعض الناس ما زال يظن أن كثرة الألقاب ترفع قدر صاحبها.
والحقيقة أن المجتمع لا يسأل: ماذا تحمل من شهادات؟
بل يسأل: كيف تصرفت عندما غضبت؟
لا أحد يتذكر اسم الجامعة عندما يرى رجلين يتشابكان بالأيدي.
ولا أحد يسأل عن عدد المؤتمرات التي حضراها.
ولا عن عدد الدورات التي اجتازاها.
كل ما يراه الناس أن الأخلاق غادرت المكان، وأن الشهادات وقفت تتفرج!
إن الأخلاق لا تُقاس بما نقوله عن أنفسنا، بل بما نفعله عندما لا تسير الحياة كما نشتهي.
فالذي تهزمه مصلحته ويهزمه غضبه بكل سهولة ودون ادنى مقاومة ثم يختبئ خلف لقبه العلمي… لم تهزمه خصومته بل هزمته نفسه.
ويبقى السؤال الذي لا يحتاج إلى إجابة:
إذا كانت أعلى الشهادات لم تستطع أن تمنع صاحبها من السقوط في أول اختبار للأخلاق… فبماذا كان يتباهى طوال تلك السنين؟
