تتدفق المعرفة في عصرنا بسرعة
غير مسبوقة وأصبحت المعلومة أقرب إلى الإنسان من أي وقت مضى. ومع ذلك فإن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الوعي
ولا كثرة الإجابات دليلًا على عمق التفكير.
وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي ينبغي
أن يعيد التعليم والمجتمع النظر فيه:
هل نريد إنسانًا يحفظ ما يُقال له أم عقلًا قادرًا على أن يفهم ويسأل، وينقد ويستنتج؟
لقد تجاوزت الحياة المعاصرة مرحلة ندرة المعرفة إلى مرحلة فائضها.
وأصبح الإنسان محاطًا بمصادر متباينة من الأخبار والأفكار والمعلومات
التي تنتقل إليه في ثوانٍ
ولذلك لم تعد مهمة التعليم أن يملأ الذاكرة بالمعلومات فحسب بل أن يبني القدرة على التمييز بينها
وأن يعلّم الإنسان كيف يتحقق من مصدرها ويفهم سياقها ويميز بين الحقيقة والرأي ويزن الأفكار بالدليل والمنطق.
وهذا المعنى ليس غريبًا عن المنهج القرآني الذي خاطب الإنسان باعتباره كائنًا عاقلًا مدعوًا إلى النظر والتدبر والتفكر. يقول تعالى:
﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾
ويقول سبحانه:
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
كما يلفت القرآن النظر إلى قيمة التدبر
بقوله تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ وهذه الآيات تؤكد أن استعمال العقل ليس
ترفًا فكريًا بل طريق من طرق النظر والفهم والاعتبار.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي تتضاعف الحاجة إلى هذا الوعي لأن الآلة تستطيع إنتاج الإجابة بسرعة لكنها لا تعفي الإنسان من مسؤولية التحقق منها وفهمها والحكم عليها. ولذلك ينبغي
أن ينتقل التعليم
من تلقين الإجابات
إلى صناعة الأسئلة
ومن تخزين المعرفة
إلى بناء البصيرة
ومن استهلاك المعلومات
إلى إنتاج الفهم.
إن أعظم ما يمكن أن يقدمه التعليم للإنسان ليس كمية المعلومات التي يحملها وإنما القدرة التي يمتلكها على التفكير فيها. فالعقل الذي يسأل ويبحث ويتثبت ويستدل هو العقل القادر
على صناعة المعرفة وحماية الوعي
وصياغة المستقبل.
ومن هنا يبقى السؤال القرآني حاضرًا في زمن تتكاثر فيه المعلومات وتتسارع فيه الآلات:
﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾

