▪️هناك أشياء صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها؛ رسالة مكتوبة بخط يد، صورة قديمة، عطر عالق في ورقة، موعد دوّنه عاشقان، أو كلمة قالها قلب في لحظة صفاء ولم يتخيل صاحبها أنها ستتحول يومًا إلى شاهد على حكاية انتهت.
▪️الحب الصادق لا يحتاج إلى كثير من الشرح؛ يكفي أن يمرّ في القلب حتى يعيد ترتيب الأشياء من حولنا. يجعل للرسالة قيمة تتجاوز الورق، وللكلمة وزنًا يتجاوز الحروف، وللصمت معنى قد يكون أبلغ من عشرات الخطب.
ولعل أغنية «الرسايل» التي غناها محمد عبده، من كلمات الأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن وألحان محمد عبده، واحدة من أجمل النماذج التي التقت فيها الكلمة الصادقة باللحن العذب والأداء الذي يعرف كيف يضع الحزن في موضعه دون أن يفسده بالصراخ.
يقول مطلع المقطع الأشهر
(لا تردين الرسايل.. ويش أسوي بالورق
وكل معنى للمحبه.. ذاب فيها وأحترق)
ما أصدق هذه الصورة!
▪️الرجل لا يسأل عن الرسائل لأنها أوراق، وإنما يسأل عن مصير قلبه الذي أودع تلك الأوراق شيئًا منه. الورق يستطيع أن يبقى، أما العلاقة فقد ترحل. الحبر قد يجف، لكن المعنى يظل رطبًا في الذاكرة، كأنه كُتب قبل دقائق.
وهنا تبدأ الحكاية الأعمق.. الحب والصدق توأمان، فإذا انفصل أحدهما عن الآخر تحول الحب إلى تمثيل، وتحولت الكلمات إلى عبء.
▪️الحب الحقيقي لا يقوم على كثرة الرسائل، وإنما على صدق ما وراء الرسائل. قد يكتب الإنسان ألف رسالة ولا يقول حقيقة واحدة، وقد يقول جملة قصيرة فتسكن القلب سنوات. الكلمات ليست قيمتها بعددها، وإنما بمقدار الصدق الذي يسكنها، لذلك كانت الرسالة القديمة أكثر من وسيلة للتواصل؛ كانت اعترافًا مؤجلًا، وموعدًا مكتوبًا، ومساحة آمنة يضع فيها المحب ما يعجز عن قوله وجهًا لوجه. يكتب وهو يعرف أن الورقة لن تقاطعه، ولن ترفع حاجبًا اعتراضًا، ولن تطلب منه تفسيرًا. يكتب قلبه كاملًا، ثم يطوي الصفحة كأنه يطوي قطعة من روحه.
▪️أما الحب الصادق، فهو ذلك الشيء النادر الذي يجعل الإنسان قادرًا على أن يقول أحببتك، وأخطأت، واشتقت، وخفت، وندمت، وتمنيت بقاءك..من لايعرف الحب لا يستطيع أن يعبر بكلمات جميلة عن مشاعره ويعجز عن المحافظة على انسجامه مع الطرف الآخر طويلًا. تتناقض كلماته مع أفعاله، وتنكشف حقيقته فعباراته تكشفه وتفضحه التفاصيل الصغيرة …قد تؤلم الحقيقة، نعم، لكنها لا تهين القلب ▪️فالحب المزيف يترك وراءه خرابًا طويلًا…والحب الذي يخلو من الصدق يشبه رسالة جميلة كتبت بحبر باهت؛ تبدو رائعة تحت الضوء، ثم لا تلبث أن تختفي كلماتها شيئًا فشيئًا.
أما صدق المشاعر، فهو الحبر الذي لا يبهت ، ولذلك تبدو (الرسايل) أكثر من أغنية عن فراق امرأة لرجل؛ إنها أغنية عن الإنسان عندما يكتشف أن الأشياء التي احتفظ بها من حبه أصبحت أثمن من الحبيب نفسه.
يقول النص:- (لو تركتيني في ليلة.. بسمتك عند الرحيل
دمعة العين الكحيلة.. عذرها الواهي دليل)
▪️يا لها من صورة!..ابتسامة عند الرحيل، ودمعة تحاول أن تخفي ما لا يستطيع القلب إخفاءه. كأن الشاعر يقول لنا إن الإنسان قد يكذب بلسانه، لكن عينيه كثيرًا ما تفضحانه.
وهنا تلتقي الأغنية مع جوهر الحب الصادق العين لا تجيد التمثيل طويلًا.
قد تقول المرأة… أنا بخير، لكن ارتعاش صوتها يقول شيئًا آخر. وقد يقول الرجل.. لم أعد أهتم، ثم يحتفظ برسالة قديمة عشرين عامًا. قد يزعم العاشقان أن القصة انتهت، ثم يكفي لحن قديم كي يعيد كل شيء إلى مكانه الأول…ذلك هو سحر الذاكرة.
▪️نحن لا نتذكر الكلمات وحدها؛ نتذكر الصوت الذي قالها، والمكان الذي قيلت فيه، والوجه الذي كان أمامنا، والسماء التي كانت فوقنا، والرائحة التي كانت تملأ المكان. ولهذا تستطيع ورقة صغيرة أن تحمل عمرًا كاملًا.
ربما لهذا السبب يبدو السؤال: «إيش أسوي بالورق؟» أعمق بكثير من معناه المباشر.
ماذا يفعل الإنسان بذكريات لا يستطيع إعادتها؟
هل يحرقها؟
هل يمزقها؟
هل يعيدها إلى صاحبها؟
أم يضعها في صندوق بعيد، ثم يتظاهر بأنه نسي مكان الصندوق؟
▪️الحقيقة أن الإنسان لا يعرف ماذا يفعل بذكرياته العزيزة. هو فقط يتعلم كيف يعيش معها.
بعض الذكريات لا ينبغي أن تُمحى؛ لأنها كانت جزءًا من تكويننا. وبعض الأشخاص لا يعودون إلى حياتنا، لكنهم يظلون جزءًا من تاريخها. وبعض الرسائل لا تصلح للإعادة، لأنها فقدت وظيفتها يوم انتهت الحكاية، لكنها احتفظت بقيمتها بوصفها شهادة على زمن كان القلب فيه صادقًا…هنا تظهر قيمة الحب النبيل.
▪️الحب ليس امتلاكًا. الحب أن تتمنى الخير لمن أحببت حتى لو لم يعد لك منه نصيب. أن تحفظ سره بعد الفراق، وألا تحول ذكرياته إلى سلاح، وألا تفضح ما ائتمنك عليه قلبه…الحب الذي يتحول بعد الانفصال إلى تشهير وانتقام لم يكن ناضجًا بما يكفي ليُسمى حبًا.
▪️القلوب الكبيرة لا تمزق رسائلها غضبًا؛ قد تضعها جانبًا، وقد تبكي فوقها، وقد تبتسم وهي تقرؤها بعد سنوات، لكنها تعرف أن ما كان جميلًا لا يصبح قبيحًا لمجرد أنه انتهى.
▪️ثم يأتي اللحن…وهنا تكمن براعة محمد عبده؛ فقد تعامل مع النص لا باعتباره كلمات ينبغي غناؤها، وإنما باعتباره حالة شعورية ينبغي أن تُعاش. ولذلك جاء اللحن قادرًا على حمل الشجن دون أن يسقط في الابتذال، وجاء الأداء متزنًا، عميقًا، يترك للكلمة مساحتها وللصمت حضوره. وقد وصفت الصحافة السعودية «الرسايل» بأنها مثال على إبداع الكلمة واللحن معًا.
▪️تلك هي الأغنية التي لا تنتهي بانتهاء صوتها…تستمر بعد الموسيقى، وتعود كلما فتح الإنسان درجًا قديمًا، أو عثر على صورة، أو قرأ اسمًا كان يومًا أقرب إليه من اسمه.
وربما أجمل ما تمنحه لنا (الرسايل) أنها تذكرنا بأن الحب لا يقاس فقط بمن بقي، وإنما أيضًا بما تركه الراحل فينا.
قد يرحل شخص، لكن صدقه يبقى…وقد تنتهي علاقة، لكن أجمل ما فيها لا ينتهي…وقد تضيع الرسائل، لكن الكلمات التي خرجت من قلب صادق لا تضيع.
لذلك لا تبحث عن الحب في كثرة الكلام، وابحث عنه في صدقه. لا تصدق الوعود وحدها، راقب الأفعال. لا تقرأ الرسالة بعينيك فقط، اقرأ ما وراءها. فالحب الحقيقي لا يسكن الورق، وإنما يسكن صاحبه؛ والرسالة ليست إلا نافذة صغيرة يطل منها القلب على قلب آخر.
أما الورق؟..فدع الورق يحتفظ بأسراره…قد لا تعرف ماذا تفعل به، لكنك ستعرف يومًا ماذا فعل بك…سيذكّرك أنك أحببت بصدق، وأن قلبك عرف ذات يوم معنى الانتظار، وأن إنسانًا مرّ من هنا، ترك بعض كلماته، وأغلق الباب خلفه.
▪️يبقى السؤال الجميل، الحزين، الذي خلده بدر بن عبدالمحسن بصوت محمد عبده:- لا تردين لي الرسائل… إيش أسوي بالورق؟..ولعل الجواب الوحيد ..اترك الورق كما هو؛ فالذي مضى لا يعود، لكن الصدق الذي كان فيه يستحق أن يبقى.
0




