الحياد كما ينبغي أن يكون؛ نزاهةٌ في النظر، وثباتٌ في المعيار، وشجاعةٌ في الموقف حين تتضح الحقيقة. وما رأيتُ مفهومًا بالغ الرقي أُنهك بسوء الاستخدام مثل الحياد؛ تلك القيمة التي بدأت في أصلها نزاهةً، ثم انتهت عند بعضهم ذريعةً للصمت، وعند آخرين مهارةً في تبديل المواقف، حتى أصبح من السهل أن تسمع عبارة: «أنا حيادي» في موضع لا يحتاج إلى حياد بقدر ما يحتاج إلى وضوح.
والحياد، في أصله، هو عدم الميل إلى طرف من أطراف الخصومة. غير أن هذا التعريف، على إيجازه، يحمل معنى بالغ الدقة: ألّا يكون الميل سابقًا للحقيقة؛ وأن تدخل إلى المسألة خاليًا من حكمٍ أعددته مسبقًا، فتمنح الوقائع حقها في أن تقودك، لا أن تقودها إلى حيث تريد.
وهنا تكمن رفعة الحياد؛ فالمحايد الحقيقي لا يأتي إلى الموقف بلا عقل أو ضمير أو قدرة على التمييز، بل يأتي بلا خصومة مسبقة، وبلا مصلحة خفية، وبلا محبة تمنحه عمًى انتقائيًا، ولا كراهية تمنحه بصيرةً زائدة. يسمع قبل أن يحكم، ويتحقق قبل أن يتهم، ويزن الحجة بمعزل عن قائلها، ثم يذهب حيث تأخذه الحقيقة، ولو خالفت رغبته.
قد تبدأ بين طرفين على مسافة واحدة، ثم تكشف الوقائع أن أحدهما صاحب حق والآخر متجاوز؛ وهنا لا يصبح الاعتراف بالحقيقة انحيازًا، لأن الحياد أدى مهمته وانتهى بك إلى حكم لم تصنعه رغبتك، بل صنعته الأدلة. فالميزان العادل يقف مستقيمًا قبل أن توضع عليه الأشياء، لكنه لا يَعِد أحدًا بأن كفتيه ستبقيان متساويتين بعد وزنها.
وتبدأ خطورة الحياد حين يُساء استخدامه؛ حين يصبح الصمت عن الخطأ حيادًا، والتردد أمام الحقيقة حيادًا، والهروب من مسؤولية الكلمة حيادًا، ومساواة المواقف المتفاوتة حيادًا. عندها لا نكون أمام فضيلة، بل أمام تشويهٍ أنيق لها؛ لأن الوقوف على مسافة واحدة من موقفين غير متساويين ليس دائمًا عدلًا، كما أن الامتناع عن اتخاذ موقف ليس دائمًا نزاهة.
الحياد كما ينبغي أن يكون أصعب كثيرًا من عبارة: «أنا حيادي». إنه امتحان للمبدأ حين تتبدل الأسماء، وللعدل حين يكون أحد أطراف القضية أقرب إلينا من الآخر، وللقدرة على إبقاء المعيار ثابتًا مهما تغيّر من يخضع له.
وإن اخترت الحياد وصفًا لموقفك، فكن أهلًا لمعناه؛ فالحياد سامي المعنى، واضح الموقف، لا يتبدّل بتبدّل المصالح، ولا يتلوّن باختلاف الأشخاص. فليس أفدح على المعاني النبيلة من أن تُستعمل ستارًا لنقيضها…

