في مكة لا تكون بعض اللقاءات مجرد لقاءات، ولا تكون بعض الليالي مجرد ساعات تمضي ثم تنقضي؛ فلهذه البلدة المباركة قدرة عجيبة على أن تجمع للإنسان، في لحظة واحدة، المكان والإنسان والذكرى، وأن تردّ البدايات إلى أصحابها، وأن تفتح في القلب أبوابًا ظن أن السنين قد أوصدتها. وهكذا كانت ليلة كريمة في دار أخي وحبيبي معالي الأستاذ الدكتور بكري عساس، رئيس جامعة أم القرى السابق، الذي أكرمني في داره العامرة بمكة المكرمة إكرامًا تجاوز حسن الضيافة إلى دفء الأخوة وصدق المحبة وجمال الوفاء.
جمع الدكتور بكري في تلك الليلة نخبة من رجالات مكة، يتقدمهم معالي الدكتور محمد صالح بن طاهر بنتن، وزير الحج والعمرة السابق، في مجلس اجتمع فيه العلم والفكر والإعلام والخبرة. وشعرت وأنا بين أهله أنني أمام صورة من صور مكة التي أحبها؛ مكة التي لا تختصرها الجغرافيا، بل يمثلها رجال خدموا العلم والمعرفة والمجتمع، وحمل كل واحد منهم جانبًا من ذاكرتها ورسالتها.
وكان بين الحاضرين الأستاذ فريد مخلص، كبير مذيعي إذاعة جدة، الإعلامي المتميز وصاحب التجربة الطويلة، والأستاذ سعود مطلق الذيابي، الإعلامي المتميز وأحد الأصوات التي عرفها المستمعون عبر إذاعة «نداء الإسلام»، وكذلك أخي الحبيب الأستاذ عبدالله الزهراني، رئيس تحرير صحيفة «مكة الإلكترونية»، الذي عرفته وأحببته قبل أن تراه عيناي، حتى أكرمني الله بأن يكون لقاؤنا الأول وجهًا لوجه في تلك الليلة.
وكان في صدر هذه الليلة حضور عزيز لفضيلة الشيخ الدكتور سعود الشريم، إمام وخطيب المسجد الحرام، العالم والشاعر والمفكر، الذي عرفه الملايين من محراب الحرم ومنبره، وعرفته أنا في تلك الليلة من قرب على نحو آخر.
كنا نعرف صوته، ونسمع تلاوته، ونصغي إلى خطبه، لكن القرب من الإنسان يكشف أحيانًا ما لا تكشفه المنابر. وحين جلست إلى فضيلته، وأصغيت إلى حديثه، ورأيت تواضعه الجم، أدركت أن وراء ذلك الصوت الذي عرفناه علمًا واسعًا، وثقافة عميقة، وفكرًا رحبًا. ومن أجمل ما يزيد العالم قدرًا في النفوس أن يزداد تواضعًا كلما ازداد علمًا؛ وهذا ما وجدته في الشيخ سعود: علم بلا ادعاء، ومكانة بلا تكلف، وتواضع يزيد صاحبه رفعة.
لكن لقاء الشيخ عندي لم يبدأ تلك الليلة.
لقد عرفه قلبي قبل أن أعرفه، وكان صوته يسكن جزءًا قديمًا وعزيزًا من ذاكرتي؛ لأنه ارتبط عندي برجل هو أعز الناس على قلبي: والدي، رحمه الله.
كان والدي محبًّا لتلاوة الشيخ سعود الشريم محبة خاصة، وكانت قراءته من أحب القراءات إليه. وكم رأيته يصغي إلى صوته عبر إذاعة «نداء الإسلام»، فأرى في عينيه سرورًا وسكينة لا أنساهما. ومع الأيام لم تعد التلاوة عندي مجرد صوت قارئ جميل، بل أصبحت جزءًا من صورة أبي وملامحه وذكرياتي معه.
وهنا كانت إحدى مفارقات تلك الليلة الجميلة: أجلس إلى جوار الشيخ سعود الشريم، الذي طالما ملأ صوته بيتنا وأدخل السرور على قلب والدي، وفي المجلس نفسه الأستاذ سعود مطلق الذيابي، أحد أصوات «نداء الإسلام»؛ تلك الإذاعة التي حملت إلينا يومًا أصوات مكة، وحملت إلى أبي تلاوة أحبها، فإذا بها بعد كل هذه السنين حاضرة أمامي، لا عبر جهاز الراديو، وإنما في مجلس واحد في مكة.
هناك أصوات لا نسمعها بآذاننا وحدها؛ نسمع معها بيتًا قديمًا، وزمنًا مضى، ووجه أبٍ رحل، وتفاصيل صغيرة لا يعرف قيمتها إلا من فقد أصحابها.
ولذلك، حين وجدت نفسي جالسًا إلى جوار الشيخ سعود الشريم، شعرت أن بابًا قديمًا في الذاكرة قد فُتح فجأة. تذكرت أبي وهو يستمع، وتذكرت ذلك السرور الذي كان يملأ وجهه، ووجدتني أسأل نفسي: ماذا لو كان يراني الآن؟
كم كان سيسعد أن يرى ابنه في مكة، قريبًا من بيت الله الحرام، في مجلس من مجالس أهلها، جالسًا إلى جوار الرجل الذي طالما أحب تلاوته!
كانت لحظة قصيرة، لكنها مست موضعًا بعيدًا في القلب. ومن عجيب أقدار الله أن تأتي بعض اللحظات بعد سنوات طويلة لتصل الإنسان بماضٍ عزيز، وتمنحه من الذكرى ما لا تستطيع الكلمات وصفه.
ولم تقف معاني تلك الليلة عند الذكرى واللقاء؛ فقد كان على الطاولة شيء آخر من عمري: كتبي.
وأحسب أن تلك الليلة كانت، في معناها عندي، التدشين الحقيقي لكتابي «يوميات لندن»؛ لا تدشين المنصات والكلمات الرسمية والصور، وإنما تدشين الوفاء، حين يعود الكتاب إلى الذين كانوا في أول حكايته.
فمعالي الدكتور بكري عساس هو الذي تفضل بتقديم الكتاب، أما أخي الأستاذ عبدالله الزهراني، رئيس تحرير صحيفة «مكة الإلكترونية»، فهو صاحب الفكرة التي كانت البذرة الأولى؛ هو الذي حدثني يومًا عن كتابة سلسلة من المقالات عن يومياتي في لندن، فبدأت مقالات متفرقة، ثم أخذت الأيام تجمع بعضها إلى بعض، حتى انتهت إلى كتاب اسمه «يوميات لندن».
وما كان يخطر ببالي، وأنا أكتب تلك المقالات، أن يأتي يوم أحمل فيه الكتاب مكتملًا، وأجلس به في مكة إلى جوار الرجل الذي قدم له، والرجل الذي اقترح فكرته ابتداءً. ولذلك شعرت أن الكتاب، وإن خرج من المطبعة قبل ذلك، فقد وُلد معنويًا من جديد في تلك الليلة.
وكأن «يوميات لندن» سافرت من مكة فكرةً، وطافت معي في شوارع لندن وحكاياتها وأيامها، ثم عادت كتابًا إلى مكة، إلى الذين كانوا في أول الطريق.
ولم تكن «يوميات لندن» وحدها حاضرة؛ فقد سعدت كذلك بأن أضع بين أيديهم كتابي «العلم والمعرفة في الحضارة الإنسانية»، وهو ثمرة رحلة أخرى مع سؤال العلم والمعرفة وإسهام الحضارة الإسلامية في بناء التجربة الإنسانية.
وكان معنا أيضًا كتابي عن الحج، وهو كتاب له مع هذه الليلة صلة خاصة؛ إذ تفضل معالي الدكتور بكري عساس كذلك بكتابة تقديمه. وهكذا وجدتني أمام رجل كريم لم يفتح لي داره في تلك الليلة فحسب، بل فتح لكتبي قبل ذلك بابًا من أبواب المحبة والتقديم والتشجيع.
وهنا اكتملت عندي صورة الليلة على نحو لم أخطط له: كتاب اقترح فكرته عبدالله الزهراني وقدم له بكري عساس، وكتاب عن الحج قدم له الدكتور بكري أيضًا، وكتاب في العلم والمعرفة، ثم هؤلاء الرجال جميعًا حولي في مكة.
كأنها لم تكن أمسية ضيافة، بل موعدًا بين البدايات وثمارها.
ولهذا فإن شكري لأخي معالي الدكتور بكري عساس أكبر من شكر ضيف لمضيف. لقد جمع في داره رجالًا كرامًا، وجمع في ليلة واحدة أشياء عزيزة من مراحل مختلفة من حياتي: ذكرى والدي، والشيخ الذي أحب تلاوته، وإذاعة «نداء الإسلام» التي حملت ذلك الصوت إلى بيتنا، وكتبي التي حملت شيئًا من رحلتي، والأصدقاء الذين كانوا وراء بعض بداياتها وصحيفة مكة التي احتضنت قلمي.
والشكر والتقدير لمعالي الدكتور محمد صالح بن طاهر بنتن، وزير الحج والعمرة السابق، الذي ازدانت الليلة بحضوره، وللأستاذ فريد مخلص، وللأستاذ سعود مطلق الذيابي، ولأخي الحبيب الأستاذ عبدالله الزهراني، ولكل من ازدانت بهم تلك الليلة من رجالات مكة وأهل فضلها.
أما فضيلة الشيخ الدكتور سعود الشريم، فأقول له: عرفناك من بعيد إمامًا وقارئًا وخطيبًا، فلما اقتربنا منك عرفنا العالم والمفكر والشاعر والإنسان المتواضع، فازددنا لك محبة وتقديرًا. وسيبقى لصوتك في نفسي معنى خاص؛ فقد ارتبط بصفحة عزيزة من حياتي وبذكرى والدي، رحمه الله.
وحفظ الله أخي معالي الدكتور بكري عساس وبارك فيه؛ فقد جمع في داره، في ليلة واحدة، نخبة من رجالات مكة، وجمع معها البدايات وثمارها، والكتب وأصحاب أفكارها، وذكريات الأمس بلقاءات اليوم.
دخلت دار الدكتور بكري أحمل كتبي، وخرجت منها أحمل ما هو أثمن: وفاء الأصدقاء، وعبق مكة، ودفء الذكريات.
كانت ليلةً عادت فيها الكتب إلى بداياتها، وعادت معها أشياء جميلة إلى القلب.
•الأمين العام للمجلس الأعلى لمسلمي أوروبا



