وُلد سلمانُ بنُ عبد العزيز في الرياض في الخامس من شوال سنة أربعٍ وخمسين وثلاث مئة وألف للهجرة، الموافق الحاديَ والثلاثين من ديسمبر سنة خمسٍ وثلاثين وتسع مئة وألف للميلاد.
وكانت الرياضُ يومئذٍ بلدةً من لِبن، بيوتُها طينٌ يُقاس غِنى صاحبها بمقدار ما جُصِّص من جدارها، ومساجدُها أرضُها حصًى يصلّي عليها الأميرُ والفقير، وماؤها يُجلَب من البديعة والشمسية بمقاديرَ مقرَّرة. هذه اللوحةُ ليست تخمينًا ولا استعادةً بعيدة، بل هي وصفُ رجلٍ نزل الرياض في تلك السنين وقيَّد ما رأى في ليلته، هو أحمد علي الكاظمي مساعدُ مدير مدرسة الأمراء، في يومياته التي نشرتها دارةُ الملك عبد العزيز.
وفي هذه البلدةِ نفسِها كانت المدرسةُ التي تخرَّج فيها الملكُ سلمان. مدرسةُ الأمراء أنشأها الملكُ عبد العزيز لتعليم أبنائه، واستُقدم لإدارتها من مكةَ الشيخُ عبد الله خيّاط الذي صار بعدُ إمامَ المسجد الحرام وخطيبَه، ولازم بيتَ الملك سبعةَ عشرَ عامًا في الحضر، والسفر، والقنص، والمخيّم.
ومن مقرَّراتها، كما أثبتها الشيخُ في مذكراته «لمحات من الماضي»: كشفُ الشبهات، ولمعةُ الاعتقاد، وكتابُ التوحيد وشرحُه، وعمدةُ الفقه وأبوابٌ من الروض المربع، وتفسيرُ ابن كثير في آيات الأحكام، وبلوغُ المرام متنًا، ورياضُ الصالحين، وسيرةُ ابن هشام، مع اللغة الإنجليزية والحساب والجغرافيا.
فهي مدرسةٌ تجمع بين متون العلم الشرعي وبين لغةِ العالم وحسابِه، في وقتٍ لم تكن في الرياض مدرسةٌ نظاميةٌ واحدةٌ سواها.
ولم يكن الأبُ في هذه المدرسة غائبًا يُرسل أبناءه ويمضي. كان يزورها فجأةً فيجلس على كرسيّ المعلّم، ويوصي المعلّمين بوصيةٍ قيَّدها خيّاطٌ بلفظها: أريد أن يفهم أبنائي معنى ما يقرؤونه من القرآن ليكون ذلك أدعى إلى العمل، فالعلمُ بلا عملٍ لا فائدة فيه. ويقول لهم في موضعٍ آخر: اعتنوا باللباب واتركوا القشور.
وحين رأى مجلسَ الصغار حارًّا أرسل من يقيس المكان، فنُقلت المقاعدُ ليلًا. وكان ختمُ القرآن عند أحدهم حدثًا للدولة كلِّها: تُعطَّل الدوائرُ الرسمية، وتُقام مأدبةُ إفطارٍ لأطفال الكتاتيب ومعلّميهم، ويُحمل الخاتمُ على صهوة الخيل ووراءه الأطفال، ثم ينزل الملكُ بنفسه إلى العَرْضة والسيفُ في يده.
وفي ثبت الخاتمين الذي أثبته الشيخُ عبد الله خيّاط مرتَّبًا بترتيب الختم لا بترتيب السنّ، يأتي سلمانُ سابعَ من ختم القرآن في تلك المدرسة، بعد مشاري، وعبد الرحمن، ومتعب، وطلال، ونايف، وتركي، وقبل نواف، وماجد، وعبد الإله، وأحمد، وسطام، وهذلول، وعبد المجيد، ومقرن. وهذا الترتيبُ وحده وثيقةٌ صغيرةٌ ذاتُ دلالة: فالمقدَّمُ فيه مَن سبق بالحفظ، لا مَن سبق بالميلاد.
ولعلَّ أعمقَ درسٍ في تلك المدرسة ليس في المقرَّرات، بل في قاعدةٍ أرسلها الملكُ عبد العزيز إلى مديرها على لسان مستشاره يوسف ياسين، وقيَّدها الكاظميُّ في يومياته حين انقطع أحدُ الأنجال لأن المديرَ لم يُقرئه بنفسه: (إن جلالة الملك يحبّ ألّا يكون بين عياله تمييزٌ يقدِّم أحدًا على أحد).
وفي مأدبةٍ لختم أحدهم حضر مطاوعةُ الكتاتيب مع أولادهم، فنُبِّه الحاضرون ونُبِّه الأمراءُ ألّا يقوموا حتى يقوم المطاوعةُ وعيالهم. تعليمٌ بالفعل لا بالكلام: (أن العلم يُقدَّم على النسب، وأن المعلّم يُقدَّم على الأمير في مجلسه).
من هذه المدرسةِ الطينيةِ خرج جيلٌ حكم بلادًا صارت في عمرِ رجلٍ واحدٍ من آخر البلدان إلى مصافّ الأولى.
ومن لطائف القدر أن الكتابين اللذين حفظا لنا خبرَ تلك المدرسة، مذكراتِ مديرها ويومياتِ مساعده، إنما صدرا عن دارة الملك عبد العزيز التي ترأَّس مجلسَ إدارتها ربعَ قرنٍ هذا التلميذُ نفسُه (الملك سلمان حفظه الله). وكأنَّ خادم الحرمين أراد أن يحفظ للناس مدرستَه كما حفظتْ له.
• أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة
(3/4/1448هـ)