
تأتي زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى جمهورية مصر العربية في توقيت بالغ الأهمية، لتؤكد من جديد أن العلاقة بين المملكة ومصر ليست علاقة مصالح مؤقتة، ولا علاقة فرضتها الظروف السياسية، وإنما هي علاقة تاريخ ومصير وأمن مشترك بين دولتين تمثلان ركيزتين أساسيتين في العالمين العربي والإسلامي.
وقد استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي سمو ولي العهد في القاهرة، وعقد الزعيمان مباحثات تناولت العلاقات الثنائية والقضايا الإقليمية والدولية، في تأكيد جديد على مستوى التنسيق السياسي والاستراتيجي بين البلدين.
وللعلاقات السعودية المصرية جذور عميقة تعود إلى عهد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، رحمه الله، واستمرت في عهد أبنائه الملوك من بعده، محافظة على مكانتها رغم ما مرت به المنطقة العربية من أزمات وحروب ومتغيرات.
ولن ينسى التاريخ موقف الملك فيصل بن عبد العزيز، رحمه الله، خلال حرب أكتوبر عام 1973، عندما وقفت المملكة إلى جانب مصر والدول العربية، واستخدم النفط أداة ضغط سياسية في موقف تاريخي جسّد معنى التضامن العربي الحقيقي.
وكما وقفت المملكة مع مصر في مراحل تاريخية مختلفة، فإن مصر بدورها تمثل عمقاً عربياً واستراتيجياً مهماً للمملكة، وهذا ما تجدد التأكيد عليه في لقاء اليوم، عندما أكد الجانب المصري أن أمن المملكة العربية السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري.
إنها عبارة تحمل في مضمونها الكثير؛ لأن أمن السعودية ومصر ليس ملفين منفصلين، أمن البحر الأحمر، وباب المندب، وقناة السويس، والخليج العربي، وسلامة طرق التجارة والطاقة، جميعها حلقات في منظومة أمنية واقتصادية واحدة.
ولذلك جاء تأكيد سمو ولي العهد والرئيس السيسي خلال مباحثاتهما على أهمية ضمان حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ليعكس إدراك القيادتين لحجم المسؤولية التي تتحملها الدولتان في حماية استقرار المنطقة.
أما اقتصادياً، فإن لغة الأرقام تؤكد أن العلاقات تجاوزت المجاملات السياسية إلى شراكة حقيقية.
ففي شهر مايو 2026 وحده بلغت قيمة الصادرات السعودية إلى مصر نحو 4.9 مليار ريال، بينما بلغت واردات المملكة من مصر نحو 5.7 مليار ريال؛ أي أن حركة التجارة بين البلدين خلال شهر واحد تجاوزت عشرة مليارات ريال.
وكان التبادل التجاري بين البلدين قد بلغ خلال خمسة أعوام نحو 266 مليار ريال، فيما تشير البيانات الرسمية إلى اتساع قاعدة الشركات والاستثمارات المتبادلة بين الجانبين.
وهذه الأرقام في رأيي ليست سقفاً للعلاقة الاقتصادية، وإنما هي بداية لما يمكن تحقيقه.
فالمملكة اليوم تعيش تحولاً اقتصادياً تاريخياً في ظل رؤية السعودية 2030، ومصر دولة يزيد عدد سكانها على مئة مليون نسمة، وتمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً وقوة بشرية وسوقاً ضخمة، ولذلك فإن فرص التكامل بين الاقتصادين السعودي والمصري هائلة في الصناعة والطاقة والتقنية والسياحة والنقل والخدمات اللوجستية والأمن الغذائي والاستثمار العقاري.
كما أن مشروع الربط الكهربائي السعودي المصري يمثل نموذجاً عملياً لما ينبغي أن تكون عليه العلاقات العربية: مشروعات ومصالح مشتركة تربط الشعوب والاقتصادات، وليس مجرد بيانات واتفاقيات.
وهناك بعد آخر في هذه العلاقة أراه أكثر عمقاً من الأرقام، وهو العلاقة بين الشعبين.
فأجيال من السعوديين عرفوا مصر وتعليمها وجامعاتها وأطباءها ومثقفيها، وفي المقابل شارك مئات الآلاف من الأشقاء المصريين عبر العقود في مسيرة التنمية السعودية، وكان لهم حضور في التعليم والجامعات والطب والهندسة والمقاولات وغيرها من المجالات.
ولذلك فإن العلاقات السعودية المصرية لا تصنعها السياسة وحدها، وإنما بنتها أيضاً عقود طويلة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية والثقافية.
وفي ظل الظروف الصعبة التي تمر بها منطقتنا اليوم، أعتقد أن الحاجة أصبحت أكبر من أي وقت مضى إلى محور عربي قوي يحمي المصالح العربية ويمنع الآخرين من تقرير مستقبل المنطقة نيابة عن أهلها.
وفي قلب هذا المشروع العربي تقف السعودية ومصر.
فالسعودية بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وديني عالمي، ومصر بما تمثله من ثقل سكاني وتاريخي وعسكري وجغرافي، قادرتان، مع بقية الدول العربية الشقيقة، على تشكيل قوة عربية تحمي مصالح المنطقة وتدافع عن استقرارها.
إن زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة ليست في تقديري مجرد زيارة عمل، وإنما رسالة سياسية واضحة بأن الرياض والقاهرة تقفان معاً عندما تواجه المنطقة التحديات، وأن أمنهما واستقرارهما ومصالحهما مترابطة.
وما أتمناه أن تنتقل هذه العلاقة خلال المرحلة المقبلة إلى مستوى أعلى من التكامل الاقتصادي والاستثماري، وأن نرى المزيد من المشروعات السعودية المصرية الكبرى، والمزيد من الاستثمارات المشتركة، والتعاون بين الجامعات ومراكز الأبحاث، وتبادل الخبرات والتقنيات، وفتح المزيد من الفرص أمام شباب البلدين.
لقد أثبت التاريخ أن السعودية ومصر عندما تتفقان، يقوى الموقف العربي، وعندما تتعاونان، تستفيد المنطقة بأكملها، فالسعودية ومصر ليستا دولتين جمعتهما المصالح فحسب؛ بل وطنان جمعهما التاريخ، وتربطهما الأخوة، ويوحّد بينهما أمن ومصير ومستقبل عربي مشترك.
حفظ الله المملكة العربية السعودية ومصر، وأدام المحبة بين شعبيهما، ووفق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، والرئيس عبدالفتاح السيسي، لما فيه خير البلدين والأمة العربية.
• كاتب اقتصادي سعودي

