عام

الدكتور عبدالمنان ملا في حوار مع “مكة” الإلكترونية: ولي العهد من أنبل الناس في المجتمع السعودي

(مكة)- حوار- عبدالرحمن الأحمدي

لاشك أن الحالة النفسية من أهم الأمور التي تؤثر على المزاج العام للفرد والمجتمع، لاسيما مع طبيعة النفس البشرية التي تتميز بالتقلب بين الحين والآخر، لذلك حرصت “مكة” الإلكترونية على محاورة الأستاذ الدكتور عبدالمنان ملا بار أستاذ علم النفس، ضمن لقاءات الشهر الكريم، فكان اللقاء التالي:

** لمن يسأل عنكم ضيفنا الكريم.. أين تتواجدون في رحاب هذه الدنيا وكيف تقضون أوقاتكم؟
_أفضل الأماكن أستريح فيها نفسياً وفكرياً وبدنياً هي المساجد، الحمد لله رزقني ربي من فضله ورحمته مسجد أمام بيتي أحب أقضي معظم أوقاتي فيه، ثم مكتبتي الخاصة التي هيئتها علمياً وفكرياً ونفسياً، أخلو مع نفسي ساعات خاصة بعد صلاة الفجر والعصر، أستمتع فيها بحثاً وقراءة على وجه الخصوص في تخصصي الذي أتعلم منه منذ خمسون عاما وأجد نفسي لازلت طالب علم.

** ما الذي يشغل اهتمامكم في هذا الوقت؟
_ما يشغل اهتمامي في الوقت الحاضر أن يوفقني الله حفظ كتابه الكريم، ويصلح أحوال المسلمين، ويحفظ شبابنا في دينهم ودنياهم، ويحفظ الأسر والعوائل من فتن الدنيا، ويديم الأمن والأمان والاستقرار في بلادنا.

** الحكمة خير من الله يؤتيها من يشاء.. كيف تعرفون الحكمة؟
_تعريف الحكمة من وجهة نظري أنها قدرة شخصية ترتبط بالتميز والجودة والكفاءة الشخصية التي تتضمن القدرة على الاستماع والتقويم وتقديم النصيحة، وتعمل الحكمة على ارتقاء الشخصية في التطور المعرفي، والحكمة غير موجودة في المقررات الدراسية، وإنما هي تراكمات معرفية وخبرات شخصية يورثها الإنسان ويمكن اكتسابها وتنميتها بالمهارات التي تستلزم العمليات المعرفية والشخصية.

** ما بين حكمة الشيوخ وهمة الشباب أيهما أقرب برأيكم.. ثمة اتفاق أو فجوة اختلاف؟
_حكمة الشيوخ تجارب وتراكمات المواقف في الحياة، كما قلت: الحكمة في آخر الحياة “حكمة الشيخوخة”، وهمة الشباب همة النفس والمعرفة، وإذا ما مزجت هذه المعرفة مع همة الشباب نصل إلى الإبداع والموهبة، فالشباب الموهوبين والمبدعين أشخاصاً لديهم موهبة تنمو بحياتهم بكل جوانبها، ليصلوا إلى مرحلة الحكمة تتميز بالجودة وهناء الذات والآخرين.

** هل الإنسان في هذا العالم ضل طريق الحكمة، وهل تنقصه الحكمة؟
– لا أظن أن الإنسان في هذا العالم ضل الحكمة وقد تكون المتغيرات التي تحيط به أثرت على فكره وآليات تفكيره مثل الإبداع والأصالة والاستنتاج والتبصر والتأمل، ومهارات الحكمة وغيرها من: المتغيرات النفسية والاجتماعية وتراكم المعارف، وظني أن الإنسان وسط كل هذه المتغيرات يستطيع أن يتدفق إيجابياً بحكمة ويستفيد منها لتنمية معرفته، فالله سبحانه وتعالى ميز الإنسان بقدرات رهيبة وزوده بالأسماء كلها وجعله خليفة في الأرض، فهو يستطيع أن يحقق الحكمة إذا فعلها بتدفق إيجابي، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتعلم الحكمة ويفعلها ولن يضل ما دام أنه تحمل الأمانة التي تبرأت منها السموات والأرض والجبال.

** في حياتنا مراحل إنسانية مختلفة من الضعف إلى القوة وهكذا.. ماذا تتذكرون من وقائع في ثنايا المراحل؟
_نعم هكذا خلق الله تعالى الإنسان من ضعف وقوة وشيبة ويمر بمراحل النمو النفسي والجسمي وغيرها من الخصائص، وقد مررت بخبرة في ثنايا هذه المراحل النمائية في مرحلة المراهقة كانت تحدي بالنسبة لي، في زمن كانت المحفزات ضعيفة مثل الحالة الاقتصادية، وواجهت صعوبة في اتخاذ القرار؛ لرسم طريق المستقبل، قرار إكمال مشوار التعليم أو البحث عن عمل في المسار الوظيفي، والحمد لله ربي بصرني بالقرار الأول: إكمال دراستي، والحمد لله وفقني ربي أن أواجه الصعاب والتحدي الاقتصادي وبتدفق إيجابي في ثنايا النمو النفسي والبدني والاجتماعي أكملت تعليمي العالي وجعلت من مرحلة الضعف قوة نفسية إيمانية ونجاحاً إيجابياً أخدم ديني ووطني.

** ما بين الربح والخسارة أو الخسارة والربح كيف تصفون أصعب المشاعر وأجملها؟
– الدنيا غالب أو مغلوب، وكما تقول ما بين رابح وخاسر، إلا أن الربح مشاعر بهجة وفرحة نفسياً تجعلك تشعر بالانبساط، والخسارة تجعلك تشعر بالخيبة والاضطرابات النفسية، إلا أن قوة صمام الأمان النفسي والصحة النفسية الشاملة وصلابتك النفسية تكمن في إيمانك بقضاء الله وقدره، تستطيع أن تواجه الموقف بأمان نفسي، يقول المصطفي صل الله عليه وسلم: عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، رواه مسلم.

** الحزن سمة إنسانية ثابتة هل احتجتم له يوماً ما؟ وما هي أقسى لحظات الحزن التي مرت بكم؟
_نعم الحزن سمة بشرية، وهذا من فضل الله تحزن لموقف وحدث تحدي في حياتك، وهي مشاعر توافقية بين دوافعك الداخلية والمثيرات الخارجية المحيطة بك، ولكن لا تطيل مشاعر الحزن في محطة الحدث والموقف طويلاً؛ حتى لا ينقلب إلى اضطراب نفسي مرضي، نعم مر علي مواقف لمست فيها الحزن، منها وفاة والدي في وسط مرحلتي الجامعية وأنا في غربة الدراسة، فقدت عزيزاً كان مسانداً لي في مشوار حياتي، ولكن الله عوضني بأخي الكبير الذي بدل مشاعر حزني إلى فرح إيجابي، رحم الله والدينا ووالديكم.

** التوفيق والسداد هبة من الله تعالى.. ما هي أكثر المواقف التي مرت بكم توفيقاً وسداداً؟
_نعم هذه حقيقة إيمانية، التوفيق والسداد والإخلاص هبة من الله سبحانه وتعالى، والحمد لله حمداً كثيراً أن ربي قد حقق لي الكثير من هذه الهبات الربانية في كل مسارات حياتي الدينية والدنيوية منها: الزواج بالزوجة الصالحة، ووهبني ربي من الأولاد والأحفاد ذرية صالحة وفقني بهم أبناء بررة صالحين وصالحات.
ومن التوفيق والسداد في حياتي أن جعلني ربي من سكان مكة المكرمة، حيث كنت أدعو ربي دائماً أن يعيدني إليها، والحمد بتوفيق وسداد من رب العالمين عدت إلى مسقط رأسي العام الذي يليه.

** بماذا نربط الحياة السعيدة من وجهة نظركم الشخصية؟
– الحياة السعيدة رحلة وليست محطة وصول لتحقيق الهدف، لذا السعادة محطات في مسار الحياة، ففي كل محطة مواقف وأحداث سعيدة ينبغي علينا أن نعيشها ونشعر بالسعادة، الكثير منا يؤجل متعتهم بالسعادة، ويقول سوف أحقق السعادة عندما أصل إلى تلك المحطة أو المرحلة، مثلا: عندما أتزوج أشعر بالسعادة، عندما أملك بيتا أشعر بالسعادة، عندما أتحصل على درجة الدكتوراة أشعر بالسعادة، ونقول استمتع بالسعادة في كل محطات حياتك، واجعل من نفسك شخصاً مهماً، ابني علاقات ناجحة مع الآخرين لتكون سعيداً، اجعل علاقتك بربك واضحة وهي في غاية الأهمية، وهذه العلاقة بربك تجعلك تعيش سعيداً في حياتك وهي مرحلة مهمة؛ لتعيش السعادة بكل نكهاتها.

** هل نستطيع أن نعتبر السعادة أسلوب الحياة؟
_كما ذكرت في الإجابة السابقة أن السعادة محطات في الحياة يغتنمها الإنسان؛ ليستمع فيها ويشعر بالسعادة طوال مراحل عمره، وتكون هذه المحطات أسلوب للحياة، شرط أن تعتبر نفسك شخصاً مهما في الحياة وصاحب فكر إيجابي، إذا شعرت بأهميتك في الحياة، وتفكيرك إيجابي احتفل كل يوم بمحطاتك الحياتية؛ لتشعر بالسعادة و تجعلها أسلوب حياتك ولا تجعل احتفالك بالسعادة فقط عندما تصل إلى النهاية.

** متى يصل الإنسان إلى محطات النجاح؟
_صاحب التفكير الإيجابي يستطيع أن يجعل من محطات الحياة بيئة مهيئة لتحقيق السعادة، فالسعادة لها 8 أركان، وكلها تعتبر محطات نجاح للإنسان: أعلاها الحكمة، وبعدها السعادة، وتاليها الحياة الطيبة، ثم الهناء النفسي، والهناء الاجتماعي، وكذلك جودة الحياة، والتدفق الإيجابي، وثامنها الصحة النفسية الشاملة.
هذه محطات وأركان السعادة يستطيع الإنسان يصل إليها شرط أن يجعل حياته تفعل بأسلوب التفكير الإيجابي ليحقق السعادة الإنسانية فكل منا يمتلك خيراً ومدى محددا من السعادة يستطيع أن يوزن محطاته ومواقفه الحياتية ليصل لمستوى السعادة ويشعر بالنجاح أملا وإبداعا وحكمة.

** متى تتوقف تطلعاتنا في الحياة؟
_ إذا فكر الانسان سلباً، بمعنى جعل أسلوب تفكيره في كل تطلعاته التفكير السلبي التشاؤمي، وسيطرت عليه المشاعر السلبية، وبالتالي أدى ذلك إلى خفض في مفهوم ذاته وضعف الثقة بنفسه، ونمو الأوهام الإيجابية ومنها وهم وخداع الذات، وسيطرت عليه الانفعالات السلبية في تفسير المراحل، وقد تقضي على تطلعاته ودوافعه في الحياة.

**متي ينصف الإنسان في دنياه أو بعد رحيله؟
_في ظني الإيجابي أن ينصف الإنسان وقت قمة نجاحه وعطائه، وليس بعد رحيله، وقد قيل إن الدنيا فيها جنة، فمن لم يستمتع بجنة الدنيا لا يستمتع بجنة الآخرة، إذا لماذا لا يكرم الإنسان وينصف في دنياه قبل رحيله؟، وحضرت حفل تكريم وإنصاف للإنسان في إحدى الدول العربية، وقد كرموا وأنصفوا أناس كان لهم دوراً وإسهاما ونجاحاً وعطاء وإيثارا في حياتهم الدنيوية في مختلف مجالات الحياة من أجل الإنسانية، إنهم يستحقون التكريم وأن ينصفوا في الدنيا، والله يكرمهم بعد رحيلهم وليس نحن البشر، ألا ننصفهم ونكرمهم في دنيانا قبل رحيلهم؟.

**في الاستشارة.. من يستشير ضيفنا الكريم في مواقفه الحياتية؟ ولماذا؟ وماهي أهم استشارة مضت؟
_تتنوع الاستشارات حسب نوعها وطبيعتها، وبالتالي يختلف المستشار حسب تخصصه وخبرته وحكمته، وبالنسبة للاستشارات الأسرية والعائلية أستشير فيها في المقام الأول زوجتي أو كبير العائلة علما وخبرة ومكانة وحكمة، والاستشارات التربوية والتعليمية أنا مستشار العائلة، بحكم أني بمقام الأب وكبير العائلة، وتخصصي وخبرتي وممارساتي المهنية الاستشارية المتواضعة مع الحالات، وكذلك الثقة، والقبول، والتعاطف الوجداني عناصر نفسية مهمة في بناء العلاقة الأسرية، وعموماً كل المواقف الاستشارية ترتبط بالاستخارة.
أما أهم المواقف الاستشارية، حين وقعت داخل الحياة الأسرية وتتعلق بالأمور التربوية ومستقبلهم التعليمي، منها استشارتي لزوجتي لإكمال تعليمها العالي والحمد الله بالتعزيز والتحفيز وفاعلية الاستشارة حققت زوجتي درجة الدكتوراة، وتتوالى مواقف الاستشارات لأفراد عائلتي، حيث وفقني الله تعالى أن أقدم لهم الاستشارات الفاعلة الناجحة لمستقبلهم التعليمي، فقد رسم ابني د.محمد خارطة مستقبله الأكاديمي مستفيداً من الاستشارات، وأصبح عضو هيئة تدريس في الجامعة ومستشارا لنائب معالي وزير التعليم، وابنتي د.عبير رسمت خطتها التعليمة وتحصلت على الدكتوراة وهي عضوة تدريس في الجامعة، وابنتي د. أبرار رسمت خطتها التعليمة وهي عضوة تدريس في الجامعة ومديرة مركز القيادات، وابنتي فاتن مسئولة عن مركز القياس بالجامعة، وبقية أبنائي رسموا خططهم المستقبلية كل حسب اهتمامه منهم المهندسين والطبيب.

** متى غض النظر ضيفنا في المواقف المصاحبة له؟ وهل تذكرون بعض هذه المواقف؟
– من أهم مكونات تحقيق الصحة النفسية الشاملة غض النظر عن الهفوات والزلات والأحداث والمواقف السلبية المؤلمة في مختلف مجالات الحياة التي تصدر أو صدرت من الآخرين أيا كانوا، أقرباء أصدقاء زملاء مهنة غرباء وغيرهم، إن خير تكنيك للعيش سعداء محققين صحة نفسية شاملة نفسياً انفعاليا فكرياً بدنياً هو غض النظر، هذا اعتقادي وسلوكي نحو من أساء لي، لقد واجهت الكثير من أمثال من أساؤوا لي خلال محطات الحياة المختلفة ولا داعي أن أذكر هذه المواقف؛ لأني والحمد لله أعيش في صحة نفسية شاملة سعيد مع ربي ومع نفسي ومع الآخرين. قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل

** هل ندمت يوماً على سكوتك؟ ومتى ندمت على بعض كلامك؟
-يقال إن السكوت من ذهب، وأنا أضيف من ذهب وفضة وألماس، ولم أندم في مواقف كثيرة كنت ألتزم فيها الصمت وكنت أشعر بالراحة النفسية، السكوت في بعض المواقف فن نفسي أطلق عليها فن الاسترخاء الذهني، كنت أوصي بها للحالات التي تشتد فيها الخلافات داخل الأسر، وبين الأصدقاء، أو بين المحبين، السكوت يجعلك ترتب أفكارك وتنظمها وتستطيع صنع القرار ولن تندم.
وشخصيا مررت بمواقف كثيرة صعبة وشديدة ومؤلمة التزمت فيها بالصمت والسكوت، ولم أندم بل وجدت فوائد كثيرة منها بناء شخصيتي.

** في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة أحاديثنا تختلف عن واقعنا.. ما مدى صحة هذه الجملة؟
_الأصل في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة أنها ساحة للمناقشات الفكرية والتعلم وتطوير وتنمية الذات، إلا أنها أصبحت ساحة المصارعات لكل من هب ودب، فيها الغث والسمين، وساحة لكشف وتشخيص الشخصيات السوية والمرضية فكرياً ومعرفيا واجتماعياً وبدنياً، وأوافقك الرأي أنها كشفت لنا وجود شخصيات يتحدثون ويشاركون في القروبات بما يخالف واقعهم الفعلي، وفي منظور تخصصنا نطلق على هذه الفئات فئة فصام الشخصية الذهانية، يقولون ما لا يفعلون ويعيشون في أوهامهم الإيجابية -مصطلح علمي- وهذا سلوك مرضي، والواقع أن تكون واقعياً متوافقا نفسياً ومعرفيا واجتماعياً مع نفسك ومع الآخرين، وأوصي نفسي أن أكون بعيداً إلى حد كبير عن الدخول في ساحات المصارعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي حتى لو في مجال تخصصي النفسي.

** في حياتنا اليومية هل افتقدنا حقيقة إلى الإنسان القدوة؟
_ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان على الفطرة الطيبة وهذه الطيبة البشرية من سمات الشخصية الإيجابية وتتمثل في سلوكه التوافقي ونطلق عليها القدوة والسلوك الحسن، وأنا أؤمن يقيناً أن القدوة موجودة ولم نفتقدها رغم كل المتغيرات الحياتية المحيطة بنا، لأن القدوة موجودة في الحياة الأسرية والعائلية، موجودة في البيئة التربوية والتعليمية، موجودة في البيئة المهنية، والقدوة موجودة في مختلف حياتنا التعاملية سلوكاً وخلقا قولاً وعملاً، ولا يغرك بعض السلوكات غير التوافقية من البشر فهم قلة، إلا أن القدوة بكل أبعادها ومفاهيمها وأهميتها تظل هي الغالبة في حياتنا طالما نحن مؤمنون بهذا الدين ومقتدين بهدي النبي صل الله عليه وسلم.

** الأبناء في الوقت الحالي هل يحتاجون إلى الرأي والمشورة منا؟ وهل المسافات بعدت بيننا وبينهم؟
_نعم الأبناء بمختلف مراحل أعمارهم يحتاجون إلى المشورة والاستشارة، نحن في عصر كثرت عليهم الأحداث والمواقف والاختيارات: التربوية والتعليمية والأسرية والاجتماعية والاقتصادية والمهنية والشخصية وغيرها، التي يحتاجون فيها إلى الرأي والمشورة والاستشارة ممن هم أكثر خبرة في الحياة، مثل الوالدين أو كبير العائلة أو من يثقون فيهم، وهذا أمر إيجابي وصحة نفسية، مما يساعدهم في صنع قراراتهم المستقبلية ويساعدهم على الرؤية الإيجابية، وكما يقال ما خاب من استشار، إلى جانب أن في طلب الرأي من الآخرين حكمة.
والحقيقة أن المسافات بيننا وبينهم بعدت بالفعل، وحلت محلنا متغيرات أخرى مثل التقنية أو ما يسمى بالذكاء الصناعي وغيرها من الوسائل التقنية التي باعدت المسافة بيننا وبينهم، والسؤال هل نحن السبب في هذا التباعد؟، بصراحة نعم، أصبحت العلاقة الوالدية مع الأبناء مخلخلة إذا جاز لي استخدام هذه العبارة، نحن من وضعنا عوائق بيننا وبينهم، وبالتالي بعدت المسافة، مثلا إذا الابن أو الابنة ترغب ف الاستشارة منا قد نعتذر لهم؛ لعدم وجود وقت أو مشغول، وبالتالي هم يبحثون عن البديل، وهكذا تتسع المسافة بيننا وبينهم، وقد تسأل ما الحل؟، في نظري كمستشار نفسي أنصح ببناء علاقة إرشادية معهم مكوناتها، الثقة، والقبول، والتعاطف الوجداني.

** الدنيا طويت على الغرور متى وجدتم هذه العبارة ماثلة امامكم؟
_الدنيا وما فيها لا تسوى جناح بعوضة، ونعم الدنيا طويت على الغرور، واكتفي إجابتي بالاقتباس من خطبة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم بويع قال: “أيها الناس إن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور، أرموا بالدنيا حيث رمى الله بها واطلبوا الآخرة”.
والدنيا فيه من المغريات المختلفة وقد نركن إليها وننسى علاقتنا مع ربنا، وأذكر مواقف مختلفة مرت خلال عملي الاستشاري منها على سبيل المثال: شكوى الأسر والعوائل من عقوق الأبناء، وسلوك العنف والإساءة، إهمال أداء الصلوات، ضياع الوقت في السهر والنوم بالنهار، تدني دافعية طلب العلم، وغيرها من اضطرابات السلوك، هؤلاء طويت عليهم الدنيا على الغرور، وبالتالي أدى بهم إلى ضعف العلاقة بالآخرة.

** من أنبل الناس في رأيكم؟
_ أولا نريد أن نعرف النبل تعريفاً نفسياً حتى يمكن لنا أن نحدد من هو أنبل الناس؟، النبل سمة نفسية شخصية تتكون مزيجًا من مستوى عالٍ من السمات مثل القيم والفضائل والصدق والأمانة والعدل وبهاء النفس ونكران الذات، والحكمة، وأيضاً من صفات النُّبْل، المروءة، وعلو الهمَّة، وجَزَالة اللَّفظ، كما يرتبط النبل بالذكاء والنجابة، والمرونة والشجاعة والخُلُقٌ الحميد، والرفق في تعامله مع النَّاس، مع حِذْقٍ في الرَّأي والعمل، ربما تقول هل تجتمع هذه الصفات والسمات في شخص واحد ليكون نبيلا؟
الحقيقة إن توافر هذه الصفات والسمات نسبية، قد تتوفر سمة أو مجموعة منها بنسبة عالية والأخرى بنسبة أقل متفاوتة، ولكن الذي يميز الشخص النبيل هو معيار العلم، والمعرفة، والحكمة، والشعور بالمسئولية، والتفاؤل، والتفكير الإيجابي، والمرونة، والذكاء الانفعالي والاجتماعي، والتدفق الإيجابي.
ومعلومة أحب أوضحها أن النبل ليس وراثي إنما هو مكتسب، فالتنشئة لها دور مؤثر وفاعل؛ لإعداد النبلاء معرفيا وقيميا، واترك القرار للقراء تحديد من هو أنبل الناس؟ والحمد الله مجتمعنا السعودي فيه من النبلاء معرفيا وحكمة وإخلاصا ورؤية تفاؤلية مع حِذْقٍ في الرَّأي والعمل، وصاحب السمو الملكي الأمير الشاب محمد بن سلمان من أنبل الناس في مجتمعنا السعودي، وتتوافر فيه نسبة كبيرة من هذه الصفات والسمات.

** المحبطون هم أشد الناس تعاسة.. هل صادفتم هذه الفئة؟ وكيف تعاملتم معها؟
_المحبطون أناس طاقاتهم السلبية عالية يحملون فيروس التشاؤم ويعدون به الآخرين، أوصي تجنبهم قدر الإمكان، وعدم الدخول معهم في مناقشة أفكارهم غير العقلانية، أنهم أصحاب انفعالات سلبية، لا تجد في ماضيهم ولا في حاضرهم ولا مستقبلهم إنجازا وعطاء إيجابي، أو ثمة فكر عقلاني تنفع أنفسهم أو الآخرين.
وبالفعل قابلت فئة من المحبطين في حياتي العملية والعلمية، وجدتهم في الحياة الأكاديمية يحملون أفكارا تشاؤمية وغير عقلانية، وهدفهم التعطيل وقتل كل أمل للتطوير والتنمية، ومن أساليبهم نشر فيروس الاضطرابات الفكرية والمعرفية، إنهم فئة لاتشعر بالراحة النفسية، يتصفون بالقلق النفسي المرضي وأفكار قهرية وسواسية.
وقابلت عددا منهم في عملي الاستشاري لا يقبلون الحوار فيما يعتقدون من أفكار ومعارف مشوهة، هؤلاء يتصفون بالاكتئاب الحاد في مشاعرهم السلبية، من خلال خبرتي المتواضعة في الاستشارات النفسية ومهارة التحليل النفسي للشخصيات المضطربة أتضح لي إنهم يعانون من ماضيهم وأسلوب تنشئتهم خلال المراحل الأولى من نموهم قد تكون خبرات مؤلمة، إحباطات متنوعة، عدم إشباع لحاجاتهم الأساسية فسيولوجيا ونفسيا، تراكمات من مواقف الإحباطات النفسية والشخصية والأسرية وغيرها المرتبطة بنمو شخصياتهم قبعت في منطقة اللاشعور أدت أو ساهمت في بناء شخصيات محبطة فكرياً ومعرفيا.
أما أسلوب تعاملي مع هذه الفئة تجاهلهم وتهميشهم وعدم إعطاء أهمية لمعتقداتهم الفكرية والمعرفية المشوهة.

** هل ندمت يوماً في النقاش مع أصحاب الوعي والإدراك؟ وهل ندمت في النقاش مع غيرهم؟ ولماذا؟
_ما ندمت يوماً في نقاشي وحواري مع أصحاب الوعي والإدراك سواء كانت المواقف في ديوانيات، أو أمسيات أدبية، أو في مؤتمرات علمية في التخصص حضوراً أو عن بعد، والحمد لله استفدت كثيراً في تطوير وتنمية ذاتي المعرفية والفكرية والتخصصية، أنا لدي قناعة أن الوعي محله العقل والقلب وهما مكان المعرفة والعلم والحكمة، وهذه الحصيلة أحاسيس ومشاعر عميقة يتصف بها أصحاب التفكير الإيجابي الذين يتصفون بالانفعالات الإيجابية، والتدفق الايجابي، ولا يمكن وجود الوعي بدون علم ومعرفة، ويرتبط الوعي بالإدراكات الحسية الخمسة، وهي أدوات زودنا الله بها لنتعلم ونزداد معرفة وحكمة، وأنا لا أحب غلق وعي ومداركي؛ للاستزادة من المعرفة والعلم خاصة في تخصصي، حث قرأت وقابلت وتعلمت من أصحاب الوعي والإدراك السليم من مختلف مشارب ومدارس علم النفس، وشخصيا ندمت في نقاشي مع غيرهم الذين يتصفون بالتفكير السلبي، وهم قلة ولم أتأثر بقلة وعيهم وضعف مدركاتهم الحسية، وكما ذكرت في بداية حديثي إن أفضل وسيلة للوقاية منهم تجنبهم وتجاهلهم وتهميشهم تحقق الصحة النفسية الشاملة.

** هل من كلمة أخيرة لضيفنا الفاضل؟
_لقد استمتعت فكرياً ومعرفيا ونفسياً واجتماعياً في الإجابة على هذه الأسئلة التي تتصف بالرؤية الشاملة أو بانوراما المعرفة والحكمة، وشكراً لصحيفة مكة الإلكترونية على التميز الصحفي في طرح موضوعات حيوية تتوافق مع رؤية المملكة ٢٠٣٠، وإني لأرجو الله تعالى أن أكون قد ساهمت بالمشاركة المتواضعة حبا لصحيفتكم المكية من شخص مكي يحب وطنه ولاء وانتماء.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. حياكم الله
    من افضل المقالات اللي قرأتها واستفدت منها مقال وحوار مع استاذنا الكريم والعالم الجليل الاستاذ الدكتور عبد المنان ملا معمور عامر نفع الله به العلم والإسلام والمسلمين.
    جزاكم الله خيرا في نشر العلم والحكمة شكرا جزيلا موقع وجريدة مكة حياكم الله من مصر احدثكم بارك الله فيكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى