
ليست الكلمة الطيبة صوتا عابرا يخرج من الفم ثم يتلاشى بل هي أثر يبقى في القلوب طويلا وقدر صغير يغير أقدار العلاقات كلمة واحدة قد تفتح بابا مغلقا وقد تعيد روحا أنهكها التعب وقد تزرع في النفس طمأنينة لا يعرف صاحبها كيف نزلت عليه لكنها نزلت من كلمة
الكلمة الطيبة أرخص هدية لكنها أغلى أثرا لا تشترى بمال لكنها تشترى بها القلوب هي زاد العلاقات وروح المودة وجسر القرب بين الناس والعجيب أن الإنسان قد يحسب في أموره الصغيرة كثيرا ثم لا يحسب حساب كلماته مع أن الكلمة قد تبني عمرا من المحبة وقد تهدم في لحظة ما بنته الأيام
وقد عظم الله شأن الكلمة فقال ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ وقال ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ لأن الكلمة ليست مجرد حديث بل خلق ودين وأدب وقال النبي ﷺ الكلمة الطيبة صدقة فجعلها في ميزان الصدقات لأنها تجبر الخاطر وتذهب الحزن وتحيي الأمل وقال ﷺ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت فدل على أن الخير ليس زينة للقول بل ميزانه وشرطه وروحه
وقد قال العرب قديما الملافظ سعد لأن حسن اللفظ من سعادة الإنسان وقالوا
جرح السنان له التئام
ولا يلتام ما جرح اللسان
فاللسان صغير لكن أثره كبير ورب كلمة قال صاحبها كنت أمزح لكنها بقيت في القلب وجعا لا يرى وأثرا لا يزول بسهولة
إن أجمل الناس ليس أحسنهم وجها بل أحسنهم قولا وأطيبهم لفظا وألطفهم عبارة فالكلمة الطيبة ليست مجاملة عابرة بل دليل نفس راقية وقلب يعرف قدر الناس وروح أدركت أن أجمل ما يتركه الإنسان في الدنيا ليس ما يملك بل ما يقول
فاحفظ لسانك فإن الكلمة لا تنتهي حين تقال بل تبدأ بعد ذلك رحلتها في القلوب إما نورا يهتدى به وإما جرحا خفيا يطول بقاؤه وما الإنسان في آخر الأمر إلا أثر وأبقى آثاره ما خلفه في الأرواح من لطف أو قسوة من جبر أو كسر فاختر من الكلام ما يليق بإنسانيتك ودع للناس منك لفظا يشبه النبل والرحمة لأن بعض الكلمات لا تنسى لا لفصاحتها بل لأنها جاءت في لحظة احتاجت فيها روح ما إلى النجاة
د عبدالرحيم محمد الزهراني






