المقالات

بكري عسّاس… رجل الإدارة التربوية والاقتصاد المعرفي

احتفلت صحيفة مكة خلال الأسبوع الماضي بمعالي الأستاذ الدكتور بكري عسّاس، بمناسبة تجاوزه 500 مقال، في مسيرة فكرية ناضجة تصنع الوعي المجتمعي، وتلامس العقول والقلوب بقوة تأثير تنسجم مع حضوره الكاريزمي. وهذا يدعونا للحديث عن الجوانب المتعددة في شخصيته؛ إذ إن من يكتب عنه يقع في حيرة أمام تزاحم سماته القيادية.

وبالإضافة إلى شخصيته الاجتماعية والثقافية الفذة، نتناول في هذه الزاوية جانبه الإداري والمعرفي. فمن خلال إدارته لـ جامعة أم القرى، وطيلة فترات قيادته لها، جسّد واقعًا مفهومي الإدارة التربوية والاقتصاد المعرفي.

ففي جانب الإدارة التربوية، اتجه إلى الإدارة بالقيم، ودمج الأخلاق الإسلامية بالممارسات الفعلية، فأصبح نمط إدارته قائمًا على التوجيه لا الزجر، والتربية لا العقاب، وتأليف القلوب وحفز الهمم، والتجميع لا التفريق. ونتيجة لذلك تعززت فرق العمل، وأصبح العمل الجماعي أقوى بكثير من الفردي، وانحسر دور البيروقراطية التي كانت من أبرز معوقات التقدم، واختفت الصراعات الفردية التي شوّهت بيئة العمل، ليرتفع مستوى الوعي الإداري في الجامعة ككل.

وكان لهذا الأسلوب الإداري الرفيع أثره الواضح في القفزات الأكاديمية التي حققتها الجامعة في عهده، حيث انحسرت المشكلات وتلاشت الخلافات، بفضل الله ثم حنكته القيادية، واعتماده أساليب تأثير راقية، قائمة على القدوة والتوجيه. ولم تكن عبارته الشهيرة لمن يخطئ: «هذه مكة» إلا تجسيدًا لهذا النهج، إذ يذكّر بها بقدسية المكان، ويغرس من خلالها مسؤولية السلوك الإداري والأكاديمي.

لقد تعلّم من عمل معه أن الإدارة فن قبل أن تكون ممارسة، وتربية قبل أن تكون سلطة، وأنها أُلفة وتجمع قبل أن تكون نشاطًا فرديًا. وهو بذلك قدّم نموذجًا تطبيقيًا للقيادة الأخلاقية والإدارة بالقيم، انعكس على بيئته الإدارية، وتأثر به كل من عمل معه.

وفي الجانب الآخر، جانب الاقتصاد المعرفي، نقل معاليه الجامعة من مجرد مؤسسة ذات أداء أكاديمي تقليدي إلى آفاق رحبة من الاقتصاد المعرفي وريادة الأعمال، مستثمرًا ما أتيح للجامعة من إمكانات، بحكم موقعها في العاصمة المقدسة، وما تضمّه من كفاءات علمية متميزة.

فقد ركّز على تطوير المنتجات المعرفية، وتعزيز البحث والتطوير، من خلال مبادرات مثل وادي مكة، ودعم المبتكرين من أعضاء هيئة التدريس والطلاب، وتوفير بيئة محفزة للإبداع. وأسهم ذلك في تحقيق تقدم ملحوظ للجامعة في التصنيفات المحلية والدولية.

وقد أدرك معاليه، بحكمته وبعد نظره، أن المعرفة الإنسانية أصبحت مصدرًا رئيسًا للعوائد الاقتصادية، وأن التنافس في التعليم العالي بات يرتكز على الاقتصاد المعرفي، والبحث العلمي، وتحويل الابتكارات إلى تطبيقات عملية نافعة. ولذلك عمل على تطوير آليات تسويق الإنتاج المعرفي، وربطه بالمؤسسات الصناعية والتقنية، بهدف تحسين جودة الحياة، والاستفادة من الكفاءات البشرية بوصفها رأس المال المعرفي.

إن الجمع بين شخصية الإداري التربوي والاقتصادي المحنك يُعد من أبرز ملامح شخصية الدكتور بكري عسّاس، الذي قدّم نموذجًا قياديًا متوازنًا، يجمع بين القيم والإنجاز، ويحقق الأهداف بكفاءة عالية وتكلفة أقل، مستشعرًا مسؤوليته الوطنية، ومؤكدًا أن القيادة الحقيقية تُقاس بالأثر لا بالمناصب.

وقد أسهمت قيادته في جعل الجامعة إحدى مراكز القوة في التعليم العالي بالمملكة خلال فترات إدارته، حيث أسّس قواعد متقدمة نحو التطور والإبداع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى