
في كل مرة يستعد فيها أحد ملاك القوارب للانطلاق نحو البحر، تبدأ رحلة أخرى… ليست في البحر، بل في متاهة الجهات والتصاريح والمنصات غير المترابطة. رحلةٌ مرهقة تبدأ بتفاؤل وتنتهي بين بوابات إلكترونية لا تتحدث مع بعضها، وأنظمة لا تميّز بين الحالم بالبحر والمخالف له.
مالك القارب لا يريد أكثر من أن يُبحر. لكن عليه أولًا أن يخضع للفحص لدى جهة معتمدة من وزارة النقل، ثم يبدأ رحلة الورق: رفع الهوية، وسند الملكية، والرخصة، والختم، على منصة النقل. غير أن الوزارة لا تقبل الطلب قبل إرفاق رخصة لاسلكية صادرة من هيئة الاتصالات والفضاء. وهنا، يدخل المالك نفق “الطيف الترددي”، حيث يُطلب منه رفع طلب مستقل لكل واسطة بحرية، حتى لو كانت جميعها تابعة لمنشأة واحدة. ويرافق ذلك انتظار عشرة أيام عمل لكل طلب، دون أي تتبع، أو قدرة على التعديل، أو لوحة بيانات توضح مصير الإجراءات.
وإذا حدث خلل بسيط، كنقص في الجهاز أو انتهاء السجل التجاري، تتوقف السلسلة بأكملها. لا وزارة النقل تُكمل، ولا حرس الحدود يُباشر أمر الإخراج، ولا الاتصالات تُجيب. والمستفيد؟ يصبح ناقلًا للبيانات بين منصات لا تعرف بعضها، يتحمّل عبء أن الأنظمة لا تتكلم مع بعضها.
وهكذا يجد المواطن نفسه وسيطًا بين الجهات الحكومية، لا مستفيدًا منها. هو من يربط بينها، وهو من يدفع ثمن تأخرها، وتعطل الربط، وتضارب التواريخ، وعدم تفعيل الهوية المؤسسية. التجربة ليست فنية، بل عبءٌ رقمي يرتدي قناع التحول.
وفي الوقت الذي تعمل فيه منصات وزارة التجارة، وحرس الحدود، وزاول، والنقل بأنظمة رقمية متقدمة، نجد أن هيئة الاتصالات لا تزال تعالج الطلبات يدويًا. عشرة أيام من الصمت المؤسسي قبل ردٍ لا يمكن تعديله. والأسوأ؟ أن أجهزة الملاحة المرتبطة بهذه الرخصة تبقى خاملة، رغم تكلفتها، ويعود القبطان إلى الاعتماد على الجوالات، بدلًا من أنظمة وُجدت لضمان السلامة.
لكن المسألة أكبر من أداء جهة واحدة، إنها في جوهرها أزمة تكامل. كل جهة بنت نظامها، وحرصت على تحسين خدماتها، لكنها لم تبنِ الجسور بين الأنظمة. فصار المواطن هو الجسر. وكأن الرقمنة لم تكن إلا نسخة إلكترونية من “الملف العلاقي”، انتقل من الحقيبة إلى التطبيق، بلا دمج ولا تحديث. ففي حين تحرص كل جهة على الكفاءة الداخلية، يظل التحدي الأكبر في غياب التكامل الرقمي والتشغيلي الذي يُسهّل الإجراءات، ويصنع تجربة سلسة متكاملة.
لعلنا بحاجة إلى وقفة… إلى “نَفَس من رؤية”. إلى نظرة استراتيجية ترى البحر مسؤولية وطنية، لا سلسلة تصاريح متضاربة. هناك حديث عن تولي هيئة البحر الأحمر زمام الأمور، لكن القلق لا يزال يدور حول الرسوم المرتفعة. أما التأمين البحري، فقد فُرض ثم عُلّق للسنة الثانية على التوالي، وجُمّدت معه معاملات آلاف القوارب، لأن شركات التأمين تطالب بـ9000 ريال لقارب طوله 9 أمتار، مقابل 800 ريال للسيارة رغم أن نسبة حوادثها أكبر بعشرات المرات.
وهنا لا نتحدث عن سرٍ أو فضيحة، بل عن ممارسة معلنة. إن من يُغير زيت قاربه في ظلمة الليل ليس متمردًا، بل واقعٌ بين نار الرسوم، وغياب البديل النظامي. تغيير الزيت قد يكلفه 1500 ريال عبر المسار الرسمي (أمر إخراج، فتح بوابة، نقل، ورشة)، بينما يستطيع إنجازه في الظلام بـ300 ريال. البيئة هي الخاسر الأكبر، واللوم لا يقع على المالك وحده، بل على النظام الذي لم يمنحه خيارًا مرنًا وسليمًا.
المراسي البحرية ليست مجرد أماكن لربط القارب، بل بنى تحتية متكاملة. هي محاور تشغيل، ومراكز اقتصادية، ومنصات خدمية. من الأرصفة والرافعات إلى الصيانة والوقود، ومن المياه والكهرباء إلى الإنترنت، ومن الأمن إلى الخدمات الترفيهية والغذائية. لا تكتمل جاهزية البحر إلا عندما يُصبح المرسى نموذجًا للإتقان والتكامل.
وفي قلب هذه البنية، تكمن الأنظمة الذكية. فالمراسي الحديثة تُدار بأنظمة إدارة تشمل الحجوزات، تتبع استهلاك الخدمات، وإدارة الطوارئ، كما تعتمد الرقمنة الكاملة من ترخيص القارب إلى إصدار تصاريح الإبحار، وقياس الأثر البيئي، مما يحوّلها إلى مراكز تشغيل شفافة وفعالة. ويجب أن تكون هيئة الموانئ شريكًا في هذا التحول، لا مجرد جهة إشرافية، بل عنصرًا فاعلًا في السلامة والوقاية والاستجابة للحوادث.
تجارب العالم القريب خير شاهد. في شرم الشيخ والغردقة، تحوّلت السياحة البحرية إلى اقتصاد متكامل: ترميم، صيانة، تدريب، غوص، تشغيل… كل شيء يتم خلال ساعات، بإجراءات مرنة وخدمات مكتملة. أما في الإمارات وقطر والبحرين، فقد تأسست المراسي على فلسفة التمكين لا العقوبة. فالإجراءات رقمية، والخدمات مترابطة، والرسوم منطقية، والمستفيد في صلب العملية.
المراسي البحرية للهواة باتت اليوم كيانات ذكية، تمزج بين الأرصفة العائمة والثابتة، وحواجز الأمواج، والإضاءة الليلية، والمباني الإدارية، وورش الصيانة، ومحطات الوقود، وتوصيلات المياه والكهرباء، والاتصالات، في منظومة تُدار بتقنية، وتُبنى بكفاءة، وتُشغَّل بمعايير بيئية رفيعة. هي ليست “مواقف بحرية”، بل تجارب حضارية، تنقل البحر من الهواية إلى الصناعة، ومن السياحة إلى الاستثمار.
السياحة البحرية لم تعد ترفًا. بل أصبحت رافدًا للاقتصاد الوطني. في الخليج وحده، تُقدّر عوائد هذا القطاع بمليارات الريالات سنويًا. وإن أحسنا البناء والتمكين، فإن المملكة قادرة على توليد عشرات آلاف الوظائف في التدريب والغوص والخدمات والصيانة، وحتى في التطبيقات التقنية والإرشاد الرقمي. أما صناعة القوارب واليخوت، فقد تجاوزت حكر الغرب. فاليوم، مع تطور تقنيات التصنيع، يمكن للمملكة أن تنطلق من حيث انتهى الآخرون، وتُطلق صناعات بحرية بلمسة سعودية، تصنع وتُصدّر كما فعلت في الطيران والسيارات.
السعودية لا ينقصها البحر، بل التفعيل. لا ينقصها الطموح، بل الربط. لا ينقصها الشغف، بل قرار يُطلق منصة “نحن” لتربط بين الأنظمة، وتُوحد بين الجهات، وتُمكّن المواطن من البحر كما تمكّن من البر والجو.
فهل نحن جاهزون للسياحة البحرية؟
نعم، حين نرى في القارب مصنعًا، وفي المرسى وظيفة، وفي البحر اقتصادًا…
نعم، حين نحمل رؤية سمو ولي العهد، لا كوثيقة، بل كأفق.
نعم، حين ندير البحر كما ندير أرامكو: بعمق، بحكمة، وبأفقٍ عالمي.






لا فض فوك يا دكتور
طرح موفق
يتطور الوطن و ونحقق طموحات الرؤية في جميع اركانه و زواياه و أكثر في اسرع وقت بوجود أمثالك ممن يسلطون الضوء على مفاصل جوهرية تربط بين جهات منشغلة بتطوير كفاءة خدماتها غافلة عن بناء و تطوير مفاصل مع جهات اخرى بحيث تظهر كفاءتها حين تعمل كمنظومة متناغمة مثل الجهات التي لها علاقة بالبحر والعمل البحري سواءاً كان نقل او سياحة او صيد
حكمة مناسبة للموضوع: مواد البناء تبقى صالحة في نفسها ولكنها لا تشيد بناءاً يستفيد منه المواطن إلا اذا ترابطت
أيضاً أشير الى نقطة
– كثير من اصحاب القوارب تركوا المجال بسبب المبالغة في المخالفات فمثلاً مخالفة حمل مخدجة ( شبكة لصيد الساردين) قيمتها ٥٠٠٠ ريال على الرغم أن خطرها بيئي مع عدم التقليل من شأنه و مخالفة قطع إشارة مرورية بالسيارة على ما فيها من خطورة على الأرواح قيمتها ٣٠٠٠ ريال
لعل تكون جهة متخصصة توازن مقدار المخالفات على جميع الأصعدة في الوطن.
للأسف العمالة الاجنبية لايمكن ان تدع لك فرصة في السياحة البحرية
الله يبيض وجهك على هذا المقال
التسيب في البحر وبيع الموقف بأسعار مبالغ فيها هذا فساد العمل للبحر في السابق كان الكل سعودي الآن كل واحد يجيب اجنبي يعمل علي القارب بنسبة . طمع أهل البحر يقطع الرزق
مقال جداً نابع من اعماقق الحس بالمسؤلية وين كل الجهات المختصه عن كل هذا الكلام،
انا صاحب قارب نزهه في المنطقة الشرقية ونعاني من عدم توفر مرسى يخدم هواياتنا البحريه.
مع احترامي الشخصي لك يا دكتور شفت الكلام إلي قلته كله ما يجي ١ ٪ من المعاناه التي نعانيها سواء داخل البحر داخل المرسا لكن اسأل الله العظيم ان تقوم دولتنا بالبحث عن راعي هذه الأسباب وتجازيه مثل غيره
اصبت الهدف في معاناة الناس، نمتلك من البحر الاف الكيلو مترات ولانستفيد من وجوده وللبحر رواد تكسرت مجاديفهم قبل ان يبحروا