يقول الحسن البصري – رحمه الله تعالى –:
«أشدّ الناس صراخًا يوم القيامة رجلٌ رزقه الله منصبًا فاستعان به على ظلم الناس».
كلمةٌ من نور، ليتها تُكتب اليوم على أبواب المؤسسات؛ تذكيرًا لمن أنساهم الكرسي أن العدل أمانة، وأن الظلم لا يضيع عند رب العباد. في الكثير من المؤسسات، هناك من يظن أن المنصب سلطة لا مسؤولية، وأن التوقيع على المعاملات إثبات وجود لا ميدان للإنصاف. فيغدو المدير أو رئيس القسم يتفنن في تمييز موظف على آخر، لا بالكفاءة، بل بالهوى والمزاج والولاء الشخصي، ناسيًا أن المنصب اختبارٌ عسير لا وسام فخر. كم من موظفٍ مخلصٍ كُتم صوته لأن المدير لا يرتاح له، وكم من متقاعسٍ نال فرص التدريب والسفر لأنه يعرف من أين تُؤكل الكتف! وكم من كفاءاتٍ وُئدت في صمت لأن العدالة في الترقيات والمزايا والانتدابات صارت رهينة العلاقات الشخصية لا الجدارة.
إنّ الظلم الإداري ليس مجرد خطأ تنظيمي، بل خطيئة أخلاقية ودينية، تُهدر بها قيم العمل وتنهار معها الروح المعنوية للموظفين. وحين يشعر الموظف أن الجهد لا يُكافأ، وأن الولاء للحق لا يُقدَّر، يصبح الإبداع عبئًا، والإخلاص مغامرة. واعلم أن الموضوعية في تقييم الأداء ليست ترفًا إداريًا، بل ميزان عدلٍ يُكشف به وجه المدير الحقيقي. فبعض المديرين – للأسف – يجعلون التقييم سلاحًا للترهيب أو أداةً للمجاملة، لا مقياسًا للكفاءة؛ يُخفضون درجات موظفٍ مجتهد لأنه قال «لا» في وجه الخطأ، ويرفعون تقييم المتقاعس لأنه يجيد التصفيق. وهكذا تتحول استمارة الأداء إلى مسرحٍ للظلم بدل أن تكون مرآةً للإنصاف. فالتقييم الذي تُحرّكه الأهواء يُطفئ الحماس، ويهدم الثقة، ويقتل روح الإبداع في المؤسسة. كن منصفًا… فالله لا يسألك عن رضا رؤسائك بقدر ما يسألك عمّن ظلمتهم باسم التقييم.
سعادة المدير! تذكّر أن القرارات التي تتخذها اليوم ستُحاسب عليها غدًا أمام من لا تخفى عليه خافية. فميزان الله لا يختل، وصراخ المظلومين لا يُنسى، والدعوات المقهورة لا تضيع بين جدران المكاتب، حتى وإن ظنّ بعض المديرين أنهم أذكى من النظام، فيتلاعبون بالأوراق، ويُجمّلون التقارير، ويُخفون آثار ظلمهم خلف الإجراءات الرسمية؛ فكيف سيُبرّرون موقفهم أمام من لا يُخدع ولا يغفل؟ قد تُخفي ظلمك عن الموظفين، وقد تخدع الإدارة العليا، ويمكن أن تُضلّل لجان المتابعة والجهات الرقابية، لكنك لن تجد طريقًا تتحايل به على عدالة الله. فكل توقيعٍ ظالم، وكل قرارٍ جائر، سيُسجَّل عليك، ولن تنفعك الأقنعة ولا المبررات حين تُنادى باسمك للحساب. كن عادلاً حين تُوزّع المهام، منصفًا حين تُقرّر الترقيات، شفافًا في اختيار فرص التدريب، ولا تُغلق باب التطوير إلا بما يرضي ضميرك قبل أن يُرضي رؤساءك.
ومن أبشع صور الظلم الإداري ذلك المدير الذي احترف الكذب الناعم، فصار يبيع موظفيه الأوهام باسم «قادمٍ أفضل» لا يأتي، و«تحسين أوضاع» لا يُرى له أثر. يُكثر من الوعود حتى يغدو الوعد عنده أداة إدارة لا التزامًا أخلاقيًا، ويُطيل أمد الغموض متعمدًا؛ لأن الوضوح يفضح العجز، والشفافية تكشف الكذب. يترك الموظفين معلّقين بين أملٍ مصطنع وواقعٍ خانق، لا يعرفون مصيرهم الوظيفي، ولا حقوقهم، ولا ملامح مستقبلهم، وكأن حياتهم المهنية ملفّ مؤجّل إلى أجلٍ غير مسمّى. هذا المدير لا يقود، بل يُخدّر؛ لا يُصلح، بل يُسكّن الألم بالكلام، ويستنزف أعمار الناس بالصبر القسري، ويطالبهم بالإنجاز وهو يحرمهم من أبسط حقوقهم: الصدق. إن الوعود التي لا تُنفّذ ليست سوء إدارة فحسب، بل كذبٌ صريح، ومماطلة آثمة، وظلمٌ مركّب؛ لأن فيها استهتارًا بكرامة الموظف، وتلاعبًا بأمنه النفسي، واستخفافًا بمسؤوليته الأسرية والمعيشية. فمن جعل الغموض سياسة، والكلام بديلاً عن القرار، فليعلم أن الله لا يحاسبه على ما قاله في العروض التقديمية، بل على ما فعله – أو أخلفه – في حقوق العباد.
خير الهدي:
قال رسول الله ﷺ:
«اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشقّ عليهم، فأشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم، فارفق به».
فكن ممن يرفق بالناس ليرفق الله بك، ولا تكن ممن يشقّ عليهم فيشقّ الله عليه؛ بالعدل تدوم الهيبة، وبالظلم تزول البركة. والقيادة ليست تسلّطًا، بل رحمة وعدل وحكمة. ومن لم يُحسن العدل في الدنيا، فلينتظر حسابًا لا محاباة فيه يوم القيامة




هذا المقال لا يهاجم أشخاصًا…
بل يجرّد المنصب من أوهامه،
ويحسب للدكتور عبدالله علي النهدي
أنه اختار المواجهة الهادئة بدل الخطاب السهل،
فكتب عن الظلم الإداري لا بوصفه خللًا تنظيميًا،
بل امتحانًا أخلاقيًا يُسقط الأقنعة.
النص لا يصرخ في وجه المدير الظالم،
بل يضعه بهدوء أمام مرآة لا تُجامل،
ويتركه وحيدًا مع السؤال الأصعب:
هل كنتَ عادلًا… أم كنتَ ذكيًا فقط؟
الوجع الحقيقي في المقال ليس في توصيف الظلم،
بل في كشف تطبيعه داخل المؤسسات؛
حين يصبح الظلم إجراءً،
والكذب مهارة إدارية،
والغموض سياسة تُدار بها أعمار الناس.
وأخطر ما في الظلم الإداري – كما أحسن الكاتب بيانه –
أنه لا يكسر الجسد،
بل يكسر المعنى:
معنى الجهد،
ومعنى الإخلاص،
ومعنى أن يكون للإنسان قيمة في مكان عمله.
وما قيل عن التقييم الوظيفي موجع لأنه صادق؛
حين يتحول من ميزان عدل
إلى أداة تصفية أو مكافأة للتصفيق،
يموت الاجتهاد واقفًا،
ويتعلم الصادق أن الصمت أأمن من الصدق.
هذا مقال يُحسب للدكتور عبدالله علي النهدي
لا لأنه قال ما نحب سماعه،
بل لأنه قال ما نحتاج مواجهته،
بلا تشهير، وبلا مواربة،
وبلغة تعرف أن العدل لا يحتاج صراخًا
بل شجاعة ضمير.
نص يُقرأ بهدوء…
لكن أثره لا يهدأ.
@HussainAlDarraj