تحدّثت في مقاليّ السابقين عن دور اللغة الأم بتعزيز الارتباط العاطفي والنفسي؛ فاللغة الأم هي الوسيلة التي يعبر بها الطفل في المراحل الأولى من حياته عن مشاعره وأفكاره. فإذا تعلم لغة ثانية دون إتقان لغته الأم عندها قد يشعر بالعزلة أو عدم القدرة على التعبير عن نفسه بشكل كامل. وهذا ما سعى إلى تأكيده العالم الروسي Vygotsky (1978) في بحثه الذي أكد فيه أن اللغة الأم هي الأداة التي يبني بها الطفل علاقاته الاجتماعية ويطوّر شعوره بالهوية النفسية. وفي دول مثل فنلندا، التي تعد من الدول المتقدمة في المجالات العلمية يتم تعليم الأطفال باللغة الأم في المراحل المبكرة (مثل الفنلندية أو السويدية)، مما يؤدي إلى نتائج أكاديمية متميزة عالميًا. وهو ما يعزّز فكرة أنّ التعليم بلغة الطفل الأم يسهّل فهم المفاهيم الأكاديمية مثل الرياضيات والعلوم؛ لأنّ الطفل حينها لا يواجه صعوبات لغوية أثناء التعلم، وهو ما تعزّزه دراسة اليونسكو التي أجريت على عدد كبير من الأطفال، وأوضحت أن الأطفال الذين يتعلمون بلغتهم الأم يظهرون فهمًا أفضل للمفاهيم الدراسية، مما يؤدي إلى نجاح أكاديمي أكبر.
ولعلي أتناول بشيء من التفصيل علاقة تعلم اللغة الأم بالقدرة على التفكير النقدي فعلى سبيل المثال الطفل الذي يتقن لغته الأم يمكنه تحليل المعلومات والتعبير عن أفكاره بوضوح، مما يساعده على حلّ المشكلات بشكل أكثر فاعلية؛ فاللغة الأم هي الأساس الذي يبني عليه الطفل مهارات التفكير النقدي. إذا تعلم لغة ثانية دون أساس قوي في لغته الأم، فقد يواجه صعوبة في التعبير عن أفكاره بوضوح. كما أكد ذلك بحث Skutnabb-Kangas(2000) الذي أظهر أن الأطفال الذين يتعلمون لغتهم الأم أولًا يتمتعون بقدرة أكبر على التفكير النقدي والإبداع. من الأمثلة الواقعية على ذلك التعليم في جنوب إفريقيا؛ إذ يتعلم الأطفال في المناطق الريفية بلغتهم الأم (مثل الزولو) ويظهرون أداءً أفضل في اللغة الإنجليزية لاحقًا مقارنة بمن يتعلمون الإنجليزية مباشرة دون أساس في لغتهم الأم. الأمر نفسه نجده في التجربة الكندية حيث يتعلم الأطفال الفرنسية كلغة أمّ، نجد أنّ لديهم قدرة أفضل على تعلم الإنجليزية كلغة ثانية بسبب أساسهم اللغوي القوي.
ان من الأهمية بمكان تعزيز مكانة اللغة العربية في التعليم و كل مناحي الحياة. نحن لا نرفض تعليم اللغات الأخرى بل نؤكّد عليه لكن ليس على حساب اللغة الأم، ولسنا هنا مع تغيير كلّ اسم عربي ليواكب تطورًا معينًا؛ فالتمسك باللغة الأم أساس تبنى عليه حضارات وثقافات، وأهمية اللغة الأم في التعليم والحياة اليومية كبيرة؛ فيجب أن يتمّ تعليم الأطفال في المراحل المبكرة بلغتهم الأم. ليساعدهم على بناء أساس قوي في اللغة، مما يسهل عليهم تعلم لغات أخرى لاحقًا. اذا فالتعليم في مرحلة الطفولة المبكرة (الروضة) و الابتدائي لابد أن يكون حصريًا باللغة الأم. ولابد من تعزيز اللغة العربية في المناهج الدراسية و تضمين الثقافة المحلية في المواد التعليمية سواء في الصف الدراسي أو الأنشطة اللامنهجية مما يساعد الطلبة على فهم هويتهم الثقافية واللغوية بشكل أفضل. وعلى سبيل المثال في بعض المدارس في المغرب العربي يتم تدريس اللغة العربية الفصحى والدارجة المغربية كجزء من المناهج الدراسية، مما يعزز من فهم الطلاب لتاريخهم وثقافتهم.
ومع التقدم التقني الهائل يمكن توظيف و استخدام التقنية لتوفير موارد تعليمية إضافية، مثل التطبيقات التعليمية والموارد عبر الإنترنت لتعزيز وفهم اللغة العربية كما ينبغي، وتعزيز حضورها في التعليم والثقافة. وعلى الرغم من وجود ضغوط اجتماعية يواجهها الأطفال في أحيان كثيرة تدفعهم للتحدث بلغة أخرى فإنّ الحلّ يكمن في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية اللغة الأم من خلال حملات توعية في المجتمع والمدارس.
و لا مانع من مراجعة أفضل التجارب العالمية في هذا الخصوص كأمثلة ناجحة حول برامج تعليم اللغة الأم في الدول متعددة الثقافات كما في كندا التي تقدّم برامج تعليمية باللغات الإنجليزية والفرنسية، وتشجع على تعلم اللغات الأصلية للمهاجرين. كذلك تجربة نيوزيلندا حيث تعمل الحكومة فيها على تعزيز استخدام اللغة الماورية في المدارس والمجتمعات المحلية. ولا نغفل دور المبادرات المجتمعية مثل مبادرات القراءة لتشجيع القراءة باللغة الأم للأطفال، مما يعزز من مهاراتهم اللغوية والثقافية.مثل مسابقة أقرأ التي بلغت عامها العاشر.
وأما بالنسبة للوالدين فعليهم تطبيق اللغة الأم في الحياة اليومية في التواصل العائلي وفي التحدث مع الأطفال بلغتهم الأم إيمانًا بأهميتها في التكوين الثقافي وتعزيز الهوية والاستقرار النفسي لأطفالهم. فعندما يتحدث الآباء مع أطفالهم بلغتهم الأم، فإنهم يساعدونهم على تطوير مهارات لغوية قوية وعلى زيادة شعورهم بالانتماء الثقافي. فعلى سبيل المثال حتى لدى العائلات المهاجرة في دول غربية يسعى الآباء للحفاظ على لغتهم الأم من خلال التحدث بها مع أطفالهم في المنزل، كذلك ينبغي تركيز المشاركة المجتمعية في الأنشطة الثقافية من خلال نظيم أنشطة ثقافية مثل القراءة والكتابة باللغة العربية مما يعزز من استخدامها في الحياة اليومية. ففي فعاليات يقيمها مركز إثراء الثقافي على سبيل المثال تقام أمسيات شعرية أو فعاليات أدبية بلغات محلية، مما يساهم في تعزيز استخدام اللغة العربية بين الأجيال الشابة.
وأود أن أختم حديثي بتقديم بعض المقترحات للوالدين والمعلمين: فعلى الوالدين التحدث مع أبنائهم باللغة العربية قدر الإمكان و لو كانوا يعيشون في بلد أجنبي. فلا بأس من قراءة القصص: اقرؤوا لأطفالكم قصصًا بلغتكم الأم لتعزيز مهاراتهم اللغوية والثقافية. و أقول للمعلمين والمربين احرصوا على استخدام اللغة الأم في التدريس حاولوا جاهدين دمج اللغة العربية في التدريس، خاصة في المراحل المبكرة، لتعزيز فهم الطلبة وربطهم بثقافتهم وتراثهم. و تعزيز الهوية الثقافية. شجعوا الطلبة على التعبير عن هويتهم الثقافية من خلال اللغة العربية لغة القران الكريم أولًا عدا عن كونها لغة رصينة غنية بالمفردات متجددة حية، ولينطلق جيل يتحدث بها معتزًا بأنه يتحدث بلسان عربي مبين.
• جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل






