ما الْيَوْمُ أَوَّلُ تَودِيعٍ ولَا الثَّانِي
الْبَيْنُ أَكْثَرُ مِنْ شَوْقِي وأَحْزَانِي
دَعِ الْفِرَاقَ فَإِنَّ الدَّهْرَ ساعَدَهُ
فَصَارَ أَمْلَكَ مِنْ رُوحِي بِجُثْمَانِي
خَلِيفَةُ الْخِضْرِ مَن يَرْبَعْ عَلَى وَطَنٍ
فِي بَلْدَةٍ فَظُهُورُ الْعِيْسِ أَوْطَانِي
بِالشَّامِ أَهْلِي، وَبَغْدَادُ الْهَوَى،
وَأَنَا بِالرَّقَّتَيْنِ وَبِالْفُسْطَاطِ إِخْوَانِي
وما أَظُنُّ النَّوَى تَرْضَى بِمَا صَنَعَتْ
حَتَّى تُطَوِّحَ بِي أَقْصَى خُرَاسَانِ
خَلَّفْتُ بِالْأُفُقِ الْغَرْبِيِّ لِي سَكَنًا
قَدْ كانَ عَيْشِي بِهِ حُلْوًا بِحُلْوَانِ
لا أَعْرْفُ لِمَ يُذَكِّرُني وَصْفُ الشَّاعرِ ت. س. إليوت لأستاذِهِ عزرا بوند بِـ “الصَّانِعِ الأكبرِ” = بأبي تمَّامٍ؟ ألِأَنَّ الشِّعْرَ عندَ الشَّاعرِ العربيِّ والشَّاعرِ الأمريكيِّ صَنْعةٌ؟ أغْلَبُ الظَّنِّ أنَّ هذا وَجْهُ الشَّبَهِ بينَهُما، علَى أنَّ هذهِ الصَّنْعةِ التي عَنَا لها أبو تمَّامٍ لا تعني امِّحاءَ العاطفةِ وشُبُوبِ الوجدانِ في شِعْرِهِ. إنَّها ظاهرةٌ لا تكادُ تختفي فيما بينَ أيدينا مِنْ شِعْرِهِ.
لا أعرفُ كيفَ بَرَزَتْ لي “نونيَّتُهُ” التي قالَها في محمَّد بن حسَّان الضَّبِّيِّ، إنَّها ليستْ قصيدةً حُلْوَةً وحَسْبُ؛ إنَّها مُبْكِيَةٌ مُشْجِيَةٌ، ولا أستبعدُ أنَّ أبا تمَّامٍ نَظَمَها وهو يبكي، ولستُ أدري: لِمَ كُلَّما قَرَأْتُها أبكاني ما فيها مِنْ حُزْنٍ مَبْعَثُهُ تلكَ الغُربةُ التي كأنَّها قَدَرٌ قُدِّرَ له.
وأبو تمَّامٍ شاعرُ الغُربةِ في أدبِنا القديمِ؛ اعتادَ الغُربةَ حتَّى كأنَّما صارا، لطُولِ اتِّصالِهِما، تَوْأَمَيْنِ، نلقاهما معًا في جمهرةٍ مِنْ قصائدِهِ. وعلَى حُبِّي لشِعْرِ حبيب بنِ أوسٍ فإنَّ حُبِّي لهذهِ “النُّونيَّةِ” الشَّجِيَّةِ يَجْمَعُ إلى ما فيها مِنْ فَنِّ الشَّاعرِ الصَّانعِ ذلكَ الْحُزْنَ الذي أبكاهُ وأبكاني.
تَعِبَ أبو تمَّامٍ مِنْ ضَرْبِهِ في الآفاقِ، حتَّى صارَتْ ظُهُورُ العِيسِ وَطَنًا لهُ!
عَمَّاذا يبحثُ؟
لعلَّهُ يبحثُ عَمَّن يَقْدِرُ فَنَّهُ حَقَّ قَدْرِهِ، ولذا رأيْناهُ يُسَوِّقُ شِعْرَهُ ويُزَيِّنُهُ في عُيُونِ ممدوحيهِ، وشَقَّ عليهِ أن يَضْرِبَ في الأرضِ ثُمَّ لا يَجِدَ ذلكَ الذي يُكافئُهُ علَى فَنِّهِ العالي الرَّفيعِ؛ فيَثُورَ بمُلُوكِ زمانِهِ ويَنْعَتَهُمْ بِـ “التُّجَّارِ”، ويبلُغَ بهِ اليأْسُ مَدًى لا يستطيعُ تَحَمُّلَهُ فيَصُبَّ لعناتِهِ علَى “الدَّهْرِ”:
ولَكِنْ دَهْرُنَا هذا حِمَارُ!
علَى أنَّهُ في “نُونِيَّتِهِ” هذهِ كأنَّما أَتْعَبَهُ طُولُ التَّرْحالِ، لِمَ كُتِبَ عليهِ أن يَظَلَّ، أَبَدَ الدَّهرِ، مُرْتَحِلًا؟ ولماذا لا يَعْرِفُ سِوَى تلويحةَ الوداعِ، والدُّمُوعَ المِدْرَارَةَ؟
وعلَى ما ينطوي عليهِ موقفُ “التَّوديعِ” مِنْ أَلَمٍ فإنَّ أبا تمَّامٍ ألِفَهُ واعتادَهُ، إنَّهُ ليسَ بِـ “أَوَّلِ توديعٍ ولا الثَّاني”، صارَ “الْبَيْنُ” هو كُلَّ شيءٍ في حياةِ الشَّاعرِ، صارَ أَكْثَرَ مِنْ شَوْقِهِ وأحزانِهِ، إنَّهُ عَمَلُ كُلِّ يومٍ وليلةٍ، فلا مكانَ لتلكَ العواطفِ المعتادةَ ما دامَ “الْبَيْنُ” و”الفِرَاقُ” كُلَّ حياتِهِ، فإذا هو “خليفةُ الخِضْرِ” لا يستقرُّ في ناحِيَةٍ حتَّى يُفارِقَها، ولا يُلاقي إنسانًا حتَّى يُفارِقَهُ، وإذا كانَ للإنسانِ الطَّبيعيِّ وَطَنٌ يَسْكُنُ إليهِ؛ فقَدَرُ أبي تمَّامٍ أنْ تَصِيرَ “ظُهُورِ الْعِيسِ” أوطانَهُ، وكُتِبَ عليهِ أن يعيشَ وحيدًا كأنَّهُ مُطَارَدٌ، لا أهْلَ ولا أحبابَ ولا أصحابَ، وعلَى ذُيُوعِ بيتِهِ هذا:
فِي الشَّامِ أَهْلِي، وبَغْدَادُ الْهَوَى، وأَنَا
بِالرَّقَّتَيْنِ، وبِالْفُسْطَاطِ إِخْوَانِي
= فإنَّنا فَرَّغْناهُ مِمَّا فيهِ مِنْ أَلَمٍ وحُزْنٍ وبُكَاءٍ؛ فالشَّاعرُ لا يُحَدِّثُنا عنْ “وَحْدَةٍ عَرَبِيَّةٍ” مُتَمَنَّاةٍ تُشُبِهُ نَشِيدَ فخري الباروديِّ: “بِلَادُ الْعُرْبِ أَوْطَانِي”! لا! إنَّهُ بيتٌ مُبْكٍ؛ بَيْتٌ يَخْتَصِرُ حالَ شاعرٍ كُتِبَ عليهِ، أَبَدَ الدَّهْرِ، الْبَيْنُ والْفِرَاقُ والتَّرَحُّلُ = كُتِبَ عليهِ أن يُغادِرَ أَهْلًا وأحبابًا وإخوانًا، إنَّهُ حُرِمَ كُلَّ أولئكَ، ولا يَعْرِفُ أينَ يُطَوِّحُ بهِ الْبَيْنُ بعدَ اللَّحْظةِ التي هو فيها، ما دامَ النَّوَى وصُرُوفُ الأيَّامِ مُوَكَّلَةً بهِ:
وما أَظُنُّ النَّوَى تَرْضَى بِمَا صَنَعَتْ حَتَّى تُطَوِّحَ بِي أَقْصَى خُرَاسَانِ!
رَحِمَ اللهُ أبا تمَّامٍ!
عاشَ غريبًا، مُتَرَحِّلًا، دائمَ التَّلَفُّتِ إلى أَهْلٍ وأصحابٍ وإخوانٍ وعَيْشٍ كانَ حُلْوًا هَنِيًّا
خَلَّفْتُ بِالْأُفُقِ الْغَرْبِيِّ لِي سَكَنًا
قَدْ كانَ عَيْشِي بِهِ حُلْوًا بِحُلْوَانِ!






