المقالات

حين يتقدّم الثقل على الفوضى

تشهد شواهد التاريخ أن الدول لا تسقط يوم تُستهدف من الخارج، بل يوم تتصدّع من الداخل؛ حين تُنهك مؤسساتها، ويُفرَّغ قرارها، ويغيب مركز الثقل الذي يصون السيادة قبل أن تمتدّ إليها الأيدي. من هذا الإدراك تحديدًا، تتقدّم المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية اليوم بوصفهما مركزَي ثقل في معادلة الاستقرار العربي، لا بوصف ذلك خطابًا عاطفيًا ولا استعراضًا للنفوذ، بل قراءةً استراتيجية ترى في حماية الدولة الوطنية شرطًا لبقاء النظام الإقليمي ذاته.

في لحظةٍ تتكاثر فيها مشاريع التفكيك، وتتسارع فيها محاولات إعادة هندسة الجغرافيا السياسية خارج إرادة شعوب المنطقة، تتحرك الرياض والقاهرة انطلاقًا من وعيٍ عميق بأن غياب الدولة يفتح الباب للفوضى، وأن الفراغ السيادي لا تملؤه سوى المليشيات أو التدخلات العابرة للحدود. وقد أثبتت تجارب العقد الأخير أن انهيار مؤسسات الدولة لا يولّد بدائل مستقرة، بل يُنتج كيانات هشّة تُدار بالوكالة وتُستنزف في صراعات لا نهاية لها.

ففي اليمن، أسهم توظيف المليشيات خارج إطار الدولة في إطالة أمد الصراع وتهديد أمن البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية. وفي السودان، أدى دعم تشكيلات مسلحة موازية إلى تفجير صراع دموي عطّل مسار الاستقرار وأدخل البلاد في دوامة مفتوحة. أما ليبيا، فقد تحوّلت بفعل تضارب الأجندات الخارجية إلى ساحة انقسام مزمن حال دون قيام سلطة وطنية موحّدة.

وفي سوريا، ما تزال آثار التدخلات قائمة عبر تكريس مناطق نفوذ تُضعف السيادة وتعرقل التعافي الكامل للدولة، بينما تعاني دول مثل العراق ولبنان من هيمنة قوى غير دولتية تُقوّض القرار الوطني وتُبقي مؤسسات الدولة رهينة لتوازنات خارجية تُفرغ السيادة من مضمونها.

أمام هذا المشهد، يتحرّك الدور السعودي–المصري من موقع الدفاع عن فكرة الدولة ذاتها، لا كطرف في صراع نفوذ، بل كقوتين مركزيتين تسعيان إلى كبح مسارات التفكك ومنع تحويل الأزمات العربية إلى أدوات دائمة لإعادة رسم الخرائط. فالقوة، في هذا السياق، لا تُقاس بتوسيع ساحات الاشتباك، بل بالقدرة على ضبطها، وتحويل الثقل السياسي والاقتصادي إلى أداة توازن تحمي الاستقرار وتمنع الانفجار الشامل.

وعليه، فإن ما تقوم به الرياض والقاهرة اليوم يتجاوز إدارة الأزمات إلى ممارسة مسؤولية تاريخية تُثبّت الدولة، وتصون السيادة، وتجعل من الثقل العربي عامل استقرار حين تتقدّم الحكمة على الفوضى.

أ. د. عائض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى