عندما كتب عبدالوهاب محمد قصيدته الشهيرة ( إنّما للصبر حدود) انصبّت المعاني حول العلاقات بين المحبّين فحسب، وهو حال المملكة اليوم إزاء ما تعرّضت له من غدر في جنوب البلاد. فالإحساس بالغدر من أقسى ما قد يواجهه الإنسان خاصة حين يكون من الأقربين، وهو شعور لا يقتصر وجوده على العلاقات الفردية، بل يتردد صداه بقوة في دهاليز السياسة الدولية؛ ففي عالم السياسة، تتجلى صور الغدر أحيانًا في خلافات بين الدول كما هو الحال في الأزمة اليمنية الأخيرة، إذ ظهر فيها ما يمكن تسميتُه: “الغدر السياسي.” ويتخذ صورًا وأشكالًا متعددة عندما تتشابك مصالح الدول وتختلف أولوياتها، حتى بين تلك التي جمعها تحالف استراتيجي في الماضي القريب.
فالساحة الدولية في جوهرها “عالم من المصالح” بامتياز، حيث تتحكم المتغيرات في رسم الخرائط وتغيير وجهات البوصلة، فالتحالفات مهما بدت متينة، تظل مرهونة بقدرتها على تحقيق أهداف استراتيجية لكل طرف. وعندما تتباين تلك الأهداف، تنشأ الخلافات خاصة في المناطق التي تشهد صراعات إقليمية حادة. فيسعى طرف إلى تعزيز نفوذه وتحقيق أجندته الخاصة في مناطق النزاع، بينما ينشغل الطرف الآخر بحماية أمنه القومي ومصالحه الحيوية، حتى لو كان ذلك على حساب شراكة كانت يومًا ما عمودًا أساسيًا في هيكل إقليمي موحد. فالأمن الوطني مقدّم على كلّ شيء.
لا شك أن هذه التحولات في المواقف لا تمر دون ثمن؛ إذ تكون تداعياتها على الاستقرار الإقليمي جسيمة، فتتوتر العلاقات بين الأطراف الرئيسة ممّا يهدد الأمن المشترك للمنطقة بأسرها، ويضعف من قوة أي تحالف عربي جامع، مما يُلقي بظلال الشك على مستقبل التعاون في مواجهة التحديات المشتركة.
تُعد حماية الأمن القومي أولوية قصوى وجوهرًا ثابتًا لا يمكن التنازل عنه لأي دولة، وفي هذا السياق، تكتسب أهمية الموقف السعودي القوي والطبيعي في حماية أمنها الوطني بعدًا مصيريًا. فالمملكة التي تشترك في حدود طويلة ومضطربة مع اليمن، تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع تهديدات تتجاوز حدودها الإقليمية، وتستهدف استقرارها الداخلي بشكل مباشر. هذا الدور ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة وجودية تفرضها الجغرافيا والتحديات الأمنية المستمرة، فأي جهد يُبذل لحماية حدودها الجنوبية وتأمين ممراتها الحيوية يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأسرها.
في المقابل، يظهر دور دول إقليمية أخرى في هذه الأزمة، كالإمارات التي تسعى لتعزيز نفوذها الإقليمي غير المبرر في اليمن والذي يندرج ظاهريًا تحت مظلة التحالف، إلا أنه في سياقات معينة يُنظر إليه على أنه غير مبرر تمامًا لتلبية متطلبات الأمن المشترك، بل لقد خرج سعيها الى التعدي السافر والتحريض بقدر ما يخدم طموحات توسيع مناطق النفوذ الخاصة. لذا فإنّ تبني أجندات منفصلة، وغير معلنة وخطط تقوّض التحالف لا تتوافق مع الأهداف المعلنة للتحالف، يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بمسار مشترك لمصلحة اليمن والمنطقة. هذا التضارب في المصالح والأهداف التكتيكية في الساحة اليمنية هو ما يلقي بظلاله على عمق العلاقات الإقليمية حتى وإن كانت بين أشقاء، ويؤكد أنّ عالم المصالح -كما ذكرت سابقاً- يظلّ هو المتحكم في مصير التحالفات.
إن هذا التباين في الأولويات والتحركات الميدانية هو ما أدى إلى توتر العلاقات، وهدّد أمن الخليج ووحدة صفّ التحالف العربي. ويبقى الأهم أن للصبر حدودًا، وأن السعودية ستقف بقوة ضد أي اعتداء أو محاولات للتخريب في جنوبها الذي تعمل بكل جهد عبر مبادرات إعمار اليمن للحفاظ على التوازن الإقليمي وسيادة اليمنيين على أرضهم.
وفي مواجهة التحديات والأزمات، تبرز السعودية مرة أخرى لتعلّم العالم ومن خلال الأزمة الأخيرة دروسًا في الصبر والتريث والمعالجة بالحكمة، والتوصل للحلّ عبر الحوار، وتغليب مصلحة الاستقرار في المنطقة فوق كل اعتبار بفضل قيادتها الرشيدة، وقد تمكنت من التعامل مع كل الأزمات السابقة بطريقة تحفظ الأمن والاستقرار ليس للسعودية فحسب بل للمنطقة بأسرها.







الصبر هنا ليس فضيلة سلبية، بل وعيٌ سياديّ
فحين تُدار الجغرافيا بالعقل، وتُضبط النفس أمام استفزاز الخرائط والنيران، يصبح الصبر فعل قوة لا تراجع !
المقال يقرأ الصبر السعودي لا كاحتمالٍ أخلاقي، بل كخيار استراتيجي يوازن بين حماية الداخل وفهم الخارج، بين كبح الانفعال وصيانة المصالح
و هكذا تُبنى الدول دكتورة لا بالصوت الأعلى، بل بالحكمة الأطول نفساً، وبالقدرة على تأجيل الرد حين يكون التأجيل هو الرد الأذكى 🫡