المقالات

إيران والتاريخ المُسيَّس

يَتجلّى أحد أعمق اختلالات التجربة المعاصرة لـ إيران حين يُستدعى التاريخ بوصفه أداة تبريرٍ سياسي لا إطار فهمٍ نقدي
وحين تُعاد صياغة الذاكرة الإمبراطورية لتسويغ التوسّع الخارجي على حساب التماسك الداخلي.
في هذا المسار يتحوّل الماضي من موردٍ للعبرة وبناء الإنسان إلى خطابٍ تعبوي يُشرعن اختلال الأولويات ويُغَلِّب النفوذ على التنمية.

وقد انعكس هذا التوجّه عمليًا في تخصيص موارد مالية هائلة لدعم شبكات نفوذ إقليمية عبر وكلاء مسلّحين في عدد من دول الوطن العربي والإسلامي
في محاولة لإعادة إنتاج حضورٍ إمبراطوري بصيغ حديثة.
غير أنّ هذا المشروع الذي قُدِّم بوصفه استعادةً لمجدٍ تاريخي تبيّن أنه رهانٌ سياسي مرتفع الكلفة
جرى تمويله من مقدّرات المجتمع الإيراني نفسه وعلى حساب استقراره الاقتصادي والاجتماعي.

في هذا السياق، أُعيد تعريف مفهوم الأمن القومي تعريفًا ضيقًا اختُزل في الامتداد الجغرافي وحضور الميليشيات بدل أن يُبنى على استقرار المجتمع وكفاءة الاقتصاد وعدالة توزيع الموارد.
ونتيجة هذا الانزياح تحوّلت الموارد الوطنية إلى كلفة سياسية مفتوحة
واستُنزف الداخل دون عائدٍ تنمويٍّ ملموس ما عمّق التفاوتات الاجتماعية وراكم الأزمات المعيشية.
ومع تراكم هذا الاستنزاف برزت في الداخل أزمة عميقة تتعلّق بإدارة التنوّع القومي وتصدّع الاندماج الوطني، حيث تصاعدت مطالب بعض المكوّنات المجتمعية بالحقوق السياسية والتنموية. وتبرز قومية عرب الأحواز في إقليم الأحواز بوصفها نموذجًا كاشفًا لهذا الخلل
إذ يُعدّ الإقليم من أهمّ أعمدة الاقتصاد لما يختزنه من ثروات نفطية وغازية كبيرة إضافة إلى ثروة سمكية وزراعية واسعة بحكم موقعه ووفرة مياهه وأراضيه الخصبة، غير أنّ هذه المركزية الاقتصادية تقابلها حالة مزمنة من التهميش السياسي والتنموي ما عمّق الشعور بالغبن لدى سكانه العرب.
وتمتدّ ملامح هذا الخلل إلى القوميات الكردية والبلوشية والأذرية حيث تتقاطع المطالب الهوياتية مع أزمات التنمية والتمثيل كاشفةً عجز الدولة عن بناء نموذج وطني جامع.
في المقابل تراجعت أولويات الدولة تجاه المجتمع، فتفاقمت الأزمات الاقتصادية وارتفعت معدلات التضخم والبطالة
وتآكلت العملة، واتسعت دوائر الفقر. ولم يعد هذا التدهور مجرّد أثرٍ للعقوبات الخارجية بقدر ما أصبح انعكاسًا مباشرًا لسياسة قدّمت الخارج على الداخل، والنفوذ على الإنسان. ومن هنا يمكن فهم الاحتجاجات المتكررة بوصفها استجابة عقلانية لاختلالٍ هيكلي لا اضطرابًا عابرًا.
فالتاريخ لا يصنع مجدًا حين يُستَخدم ذريعة، ولا تبقى الدول قوية إذا أُديرت ضد مجتمعاتها
إذ إن القوة المستدامة تُبنى في الداخل، حين يُقرأ الماضي بعقلٍ نقدي، ويُقدَّم الإنسان على أوهام التوسّع

أ. د. عائض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى