القصيدة: طفولة دكناء
***
وحرث الأرض ينأى
عن حياة تخبئ
فيه كذبتها الأضلا
تُؤاخي في العراء دمًا بدمعٍ
وتستجدي
من الآمين حملا
غدًا تبكين من قهرٍ
تمادى على الأكتاف
يا ليلى وحلا
إليك الجذعُ هذا
الدمعُ أيدٍ
فهزي قدر حُزنِك لا أقلا
سيسقطُ ما يُحيل
الفكرَ نورًا
وتنورًا
على الأوجاع دلا
سترتبكُ الثقاتُ من
الملاهي
لترجعَ عن ومِن ترفٍ
أملا
وتزدحمُ
المراثي في خشوعٍ
تؤرخ في العيون لها سجلا
سيسقط عُمرُ
عمْرٍو بعد هندٍ
وهذا وجهُ أحمدَ صار
كهلا
سيسكبُ صوتُ عفرا فيك
روعًا
يظلُ دويّهُ في الروح نصلا
ومنديلٌ عديم البأس
بالٍ
نجا بضفيرة جعلته أحلى
يدٌ في صحبة البالون
عاشت
تخلّت عن رفيق
العمر عجلى
سيسقطُ بسكويتٌ _ دون منٍّ_
يقول بسكري أسعدت
طفلا
ومجزرةٌ أمام الشمس تلهو
وتشربُ من نبيذ
الحرب مصلا
وسربٌ هاربٌ لعقَ الدما ..
من
ذبابٍ زاد ثِقل الموت ثِقلا
أناشيدٌ ستسقط
دون ثغرٍ
تربّي فيه معناها الأجلا
مراجيحٌ
تؤرجحها رياحٌ
تُهدئُ روعها حتى اضمحلا
تأنسنُ في الوجود
القلب فيها
لتصبح أقرب الإنسان
شكلا
تأبّطت التداعي ثبتته
سجودًا للسماء
يمدّ ظلا
إليكِ الجذع هزّي
ما استطعتِ
فلا تحنان يُجدي أو لعلا
سيسقط من كتاب الفقه شيخٌ
تعثّر بالمتون فزاد
جهلا
وشيخٌ خلف لحيته
توارى
يناورُ في الدُنا ليكون فحلا
وبنتٌ عن طفولتها
تولّت
بإكراهٍ .. وها هي منه حبلى
إليكِ الجذعُ يا ليلى
فهزّي
رأيتِ الصورة البلهاء ختلا؟
يجردها الإطار ومنه
تسعى لتستر بالشعار
هناك فصلا
إليك الجذع يا ليلى
فكفي
عن التدوين في قبر تدلّى
عرينُ الموت مخبوءٌ
بفجٍ
من الأفكار..
والأحقاد تملا
ــــــــــــــــــــــ
في المشهد الشعري المعاصر، تبرز أصواتٌ قليلة تملك القدرة على القفز فوق حاجز (البدايات) لتستقر مباشرة في مربع النضج الفني. الشاعرة نادية السالمي واحدة من هذه الأصوات؛ فرغم عمرها الإبداعي القصير نسبياً، إلا أنها تكتب من منطقة أبعد من زمن التجربة، ومن وعيٍ سبَق زمن الممارسة. لا ارتباك في صوتها، بل كتابة تعرف وجهتها وتمضي إليها دون استئذان، لتقف مباشرة في ساحة السؤال الكبير: ماذا بقي من الطفولة في عالم يتغذّى على الفقد غالبا، وعلى المصادرة في أحسن الأحوال؟
تحولات الرمز: نقض المعجزة ومخاض العدم:
تستدعي السالمي “ليلى” من خيمة الرمز الغزلي القديم، لا لتهيم بها حباً، بل لتقذف بها في أتون “التيه” المعاصر. ثم تُجري تحويراً رمزياً مذهلاً بتوظيف “التناص” مع القصة القرآنية لمريم عليها السلام: «إليكِ الجذعُ هذا الدمعُ أيدٍ.. فهزي قدر حُزنِك لا أقلا».
هنا تكمن المفارقة الصادمة؛ ففي النص القرآني، كان الأمر الإلهي (وهزي إليكِ بجذع النخلة) فاتحةً للمخاض الذي يهب الحياة (الميلاد) والمدد الذي يطعم الجسد (الرطب). أما عند نادية السالمي، فالهزُّ لا يفضي إلى إنجاب، بل إلى تساقط الخيبات. الشاعرة تمارس هنا فعل «الاستيلاد العكسي»؛ هي تطلب من ليلى أن تهز الجذع لا لتنجب حياة جديدة، بل لترقب سقوط «عمر عمرو» واكتهال وجه «أحمد» وانطفاء الرموز. إنها لحظة مخاضٍ لا تسفر عن طفل، بل عن تأكيد للفراغ؛ فالهزُّ هنا ليس طلباً للمدَد، بل هو زفرة احتجاج تؤكد أن الجذع الذي كان يوماً يهب الحياة، أصبح في زمن «الطفولة الدكناء» مجرد حطبٍ لذكرى الانكسارات.
باختصار قد يكون مخلا … (هز الجذع عند نادية ليس لإنجاب بل لعدمه”!
فلسفة السقوط: حين تتحدث الأشياء الصغيرة:
يتكرر فعل (السقوط) في النص كما لو كان نشيداً خفياً للانهيار الكلي. ليس السقوط هنا حدثاً فيزيائياً، بل هو مسارٌ وجودي؛ يسقط الفكر، ويسقط الرمز، وتتداعى الأشياء التي كانت يوماً أركاناً للبراءة. لقد برعت الشاعرة في (أنسنة الوجع) عبر تفاصيل مدهشة: (البسكويت، البالون، المنديل، المراجيح). هذه المفردات التي كانت يوماً سبباً للضحك، تُسحَب في القصيدة إلى ضوءٍ قاسٍ، فتتحول إلى شهود صامتين على (المجزرة التي تلهو أمام الشمس). هي صورة تقشعر لها الأبدان بوقاحتها ووضوحها؛ فالعالم يرتكب خطاياه على مرأى من الجميع، والقصيدة ترفض أن تغمض عينيها.
مشرط الجراح: في مواجهة (الجهل المقدس):
في المقاطع الأكثر جرأة، يبرز وعي السالمي كشاعرة (محللة) لا تكتفي بالرثاء، بل تمارس دور الناقد للمنظومة المعرفية والاجتماعية. إنها تضع إصبعها على الجرح الصارخ حين تنقد المؤسسة التي تقتات على المتون المهترئة:
«سيسقط من كتاب الفقه شيخٌ.. تعثّر بالمتون فزاد جهلا» «وشيخٌ خلف لحيته توارى.. يناورُ في الدُنا ليكون فحلا»
هذا النفس النبوي في نقد الزيف يكشف أن مأساة ليلى ليست قدراً غيبياً، بل هي نتاج (إكراه) مارسته سلطة فحولية تختبئ خلف المتون. القصيدة هنا لا تهاجم من موقع الغضب المجاني، بل من موقع الألم العارف، محولةً الصراخ إلى بصيرة فنية ترفض التستر بالشعارات.
الكتابة كفعل رتق أخير:
لغة القصيدة كثيفة، مشبعة، لا تمنح القارئ استراحة. إنها (إرهاقٌ مقصود) يشبه الإرهاق الذي يخلّفه مشهد طويل لفاجعة لا يُقطع فيه الإطار. وفي الختام، لا تقدم السالمي عزاءً، ولا تترك باباً موارباً للأمل السهل. تنتهي القصيدة كما بدأت: بنسيج من العتمة التي لا تُجمَّل، وبطلبٍ قاسٍ لليلى بأن تكف عن «التدوين في قبر تدلّى».
خاتمة:
(طفولة دكناء) ليست نصاً يُقرأ على عجل، إنها قصيدة تُقاوَم، ثم تُصغي إليها طويلاً. لقد أثبتت نادية السالمي أن الشعر لم يعد زينة لغوية، بل هو محاولة لترميم هوية الإنسان في عالم يفقد إنسانيته. إنها تمضي بثبات نحو كتابة لا تكتفي بالقول، بل تُحمِّل القارئ مسؤولية ما يراه، مؤكدةً أن قلبها المفخخ بالصدق هو وحده القادر على رتق هذا العالم المشروخ.
***






