مكة… الأصل الأول للبشرية ومركز الوجود.. قراءة مقارنة بين سرديات الحضارات ورؤية الوحي
—————-
▪️ليس التاريخ القديم مرآة صافية، ولا ما تقوله الجداريات المنحوتة والآثار الموجودة حقائق مطلقة. كلُّ ما دوّنه البشر قبل عصر التوثيق خضع للتأويل والرغبات السياسية وميل كل حضارة إلى تعظيم ذاتها.
وبينما تعتني السرديات الشائعة بإعلاء شأن الحضارة المصرية القديمة أو حضارة الرافدين بوصفهما [أول مهد للإنسان] يقدّم القرآن رؤية يقينية مختلفة تمامًا؛ رؤية تقطع بأن أصل البشرية من آدم، وأن موضع البداية الأرضية ارتبط بمكة المكرمة والحجاز.
هذه ليست قراءة عاطفية أو تبريرية، بل رجوع إلى النص القطعي وفحص المنطق ومقارنة الشواهد.
مكة في الوحي: نقطة الانطلاق الأولى للبشرية
القرآن يحدد أصل البشرية بوضوح دون احتمال للتأويل:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ — آل عمران 59
هذا النص ينفي جذريًا كل قول بنشوء الإنسان عن تطوّر حيواني أو حلقات مجهولة، ويؤكد أن آدم خُلق دفعة واحدة كامل الهيئة والعقل والتكليف.
وتزيد الآية:
﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ — الحجر 29
لتكشف أن الإنسان لم يكن مرحلةً من سلسلة كائنات، بل مخلوقًا مكرّمًا منذ لحظته الأولى.
ثم يأتي النص الفاصل:-(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) — آل عمران 96
هذه الآية تجعل مكة أول نقطة عمران بشري على وجه الأرض، لا باعتبارها مدينة لاحقة تطوّر فيها البناء، بل باعتبارها مركز الخلق البشري من حيث الهداية والتكليف والعمران الروحي.
الإمام الطبري والقرطبي وابن كثير يذكرون — وفق روايات معتبرة — أن الملائكة وضعت أساس البيت أولاً، ثم جدّده آدم بعد هبوطه، ثم رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من جديد تنفيذًا لأمر الله:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ — البقرة 127
المشهد هنا ليس تاريخًا عابرًا، بل تسلسل تكويني:
بيت – آدم – ذرية – تكليف – رسالة
محور الجميع هو مكة.
جدة… الإشارة الأمومية المتوارثة
يرتبط موضع “جُدّة” باسم “جَدّة البشر” أي أمهم حواء.
وهذا الاسم ورد في كتب:-
الهمداني في “صفة جزيرة العرب”
ابن خلدون
القلقشندي
ياقوت الحموي
▪️ورغم أنّ هذه الروايات ليست نصوصًا قطعية، إلا أن تكرارها المتواتر يجعلها شاهدًا لغويًا وتاريخيًا يُعضد مركزية الحجاز بوصفه موطنًا مبكرًا للبشر.
عرفات… مسرح الميثاق الروحي
يروي المفسرون — كالطبري والقرطبي وابن كثير — روايتين رئيسيتين حول جبل عرفات:
أنه المكان الذي تلاقى فيه آدم وحواء بعد الهبوط.
أنه الموضع الذي أشهد الله فيه ذرية آدم على ربوبية الخالق، كما في قوله تعالى:
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ — الأعراف 172
هاتان الروايتان، وإن اختلفت تفاصيلهما، تتفقان على أن الحجاز كان موضع البداية الروحية والإنسانية للوجود البشري.
سردية الوحي مقابل سردية الحضارات البشرية
1- مصدر الحقيقة
الوحي: قطعي الثبوت والدلالة.
الآثار: ظنية قابلة للتأويل.
نظرية التطور: فرضية متغيرة ناقشها العلم نفسه ونقض كثيرًا من تفاصيلها.
2- بداية الإنسان
▪️القرآن يؤكد خلق آدم مباشرة، بينما
الحضارات القديمة — كما في نصوص الفراعنة وسومر — تتحدث عن (لهة) خلقت البشر لأعمال السخرة أو من الطين بطريقة أسطورية لا يقينية.
نظرية التطور تفترض حلقات مفقودة لا دليل عليها.
3- مركز العمران الأول
الوحي يحدد مكة أول بيت.
الآثار المصرية والرافدية تشير إلى حضارات لاحقة، ظهرت بعد آلاف السنين من زمن آدم، والنقوش لا تدل على أنها مهد البشر بل مهد حضارات بشرية عمرانية.
4- وحدة السرد ووحدة الأصل
الوحي يقدم:
خلق → هبوط → بيت → ذرية → رسالات
بينما الآثار تقدم قطعًا متباعدة يُجهد العلماء في وصلها بافتراضات.
لماذا مكة هي المركز الحقيقي؟
الأدلة تتكامل:-
1- نص قرآني قطعي: أول بيت وضع للناس في بكة.
2- نصوص السيرة: بناء آدم ثم إبراهيم للبيت.
3- مركزية الوحي: كل الرسالات لاحقًا تتمحور حول الحجاز.
4- اللغة والتراث: اسم جدة مرتبط بأم البشر.
5- عرفات والميثاق: بداية الوعي البشري.
6- المحور الجغرافي: كثير من الجغرافيين — مثل البيروني — عدّوا مكة مركز اليابسة.
▪️كل هذه العناصر تؤسس لاستنتاج واحدهو :- مكة ليست مدينة تاريخية… بل نقطة الأصل والبداية.
عندما نقرأ التاريخ بمنظار الوحي، تتراجع الأساطير ويستقيم المنطق.
وتظهر مكة في موقعها الحقيقي:
المركز الكوني الذي بدأ منه الإنسان، والبيت الأول الذي اختاره الله ليكون قبلة للعالمين، بل ان مكة نفسها هي التي شهدت ميلاد افضل خلق الله وسيد الرسل والانبياء محمد بن عبدالله عليه افضل الصلاة والسلام.
▪️ولمن أراد التوسع في التحليل العميق لجغرافيا الوحي ومركزية الحجاز في التاريخ البشري، فستصدر قريبًا الدراسة الموسّعة في كتاب
(السعودية الدولة الكونية الأولى) لكاتب هذا المقال..الذي يقدم قراءة فلسفية وتاريخية وجيوسياسية لدور مكة والحجاز في بداية الإنسانية ومسار الرسالات وينتقل الى تاسيس المملكة العربية السعودية وتطورها وصولا الى تصدرها كدولة متفوقة تستخدم التقانة والكفاءة الرقمية وتقود العالم روحيا وسياسيا وثقافيا ورياضيا وفق رؤية استرتيجية فائقة.
