أقرأ هذه البشارة
————–.
▪️ليست كلّ طرق القُرب من رسول الله ﷺ محصورة في آصرة الدم، ولا كلّ مسافات البُعد تُقاس بالأنساب. هذه حقيقة جليلة، خطيرة في معناها، مدهشة في أثرها، تُعيد ترتيب المفاهيم وتحرّر القلوب من وهمٍ شائعٍ يظنّ أنّ القرب النبوي امتياز وراثي مغلق. البشارة العظمى تقول بوضوح: يمكنك أن تكون قريبًا جدًا من الرسول الكريم ﷺ وإن لم تكن من آل بيته نسبًا، ما دمت من آل بيته سلوكًا ونورًا واتباعًا.
▪️القرآن الكريم وضع القاعدة الكبرى، قاعدة التفاضل العادلة التي لا تنحاز إلا للتقوى:-
(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)
آية فاصلة، تهدم أصنام التفاخر، وتبني ميزان القرب الحقيقي. الكرامة ليست دمًا يجري، بل نورًا يسري، وليس اسمًا يُحمل، بل أثرًا يُرى.
▪️الرسول ﷺ جسّد هذه الحقيقة عمليًا، لا تنظيرًا مجردًا. بلال بن رباح، العبد الحبشي الذي طحنته سياط الجاهلية، ارتقى حتى قال فيه المصطفى ﷺ قولًا يهزّ المعايير: [بلالٌ منّا أهلَ البيت]. لم يكن من بني هاشم، ولم تجمعه بالرسول رابطة نسب، لكن جمعته رابطة الإيمان الخالص، والصدق المطلق، والثبات الذي لا يلين. صار بلال من آل البيت بالروح، لا بالدم، وبالوفاء لا بالوراثة.
▪️ويمتدّ المشهد أكثر عمقًا مع سلمان الفارسي، الغريب في اللسان، البعيد في الديار، القريب في القلب. رحلة طويلة من البحث عن الحق قادته من المجوسية إلى نور الإسلام، فاستحق أن يقول عنه النبي ﷺ وسط الصحابة:- [سلمان منّا أهلَ البيت]. كلمة واحدة رفعت سلمان إلى مقامٍ لا تمنحه الجغرافيا ولا تصنعه الأعراق. سلمان لم يرث النسب، لكنه ورث النور.
ثم يظهر نموذج آخر، أكثر خفاءً، أكثر تواضعًا، أشدّ إدهاشًا. أويس عامر القَرَني اليماني، ذلك الرجل الذي لا تُميّزه العين، ولا تتعلّق به الأبصار. رجل عادي في نظر الناس، عظيم في ميزان السماء. أوصى النبي ﷺ عمرَ بن الخطاب أن يبحث عنه، لا لماله ولا لمنصبه، بل لدعائه. رجل لا يعرفه أهل السلطان، ولا يقف له أحد احترامًا، لكنه قريب من الله قربًا يجعل دعاءه مستجابًا. هذا هو الميزان الإلهي الذي يربك الحسابات البشرية.
هنا تتجلّى المقاربة العميقة بين نوعين من النسب:-
▪️نسب الدم المبارك، وهو شرفٌ عظيم ثابت لأشراف آل بيت النبي ﷺ، المتصلين به عبر ابنته فاطمة الزهراء وسبطيه الحسن والحسين رضي الله عنهم. نسب محفوظ، مكرّم، له مكانته وقدره.
▪️ونسب آخر لا يُكتب في السجلات، ولا يُورّث بالأسماء، لكنه يُقرأ في الوجوه وتفضحه الأخلاق. نسب نوراني، يتشكّل من الحب الصادق، والاتباع العميق، والالتزام الخالص بعبادة الله وحب رسوله ﷺ.
هذا النسب النوراني يتسلّل إلى الداخل، فيُهذّب السلوك، ويليّن الطباع، ويجعل صاحبه سريع الرجوع إلى الله، قريب الإجابة، رقيق القلب. ينعكس في التواضع، في الصدق، في الرحمة، في خفاء العمل لا صخبه. صاحبه لا يلهث خلف تقييم الناس، ولا يتألم من تجاهلهم، لأنه منشغل بنظر الله إليه.
الرسول ﷺ لخّص هذا المقام بكلمات قليلة جامعة، قال:-
[رُبَّ أشعثَ أغبرَ، ذي طِمرين، مدفوعٍ بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرَّه]…إنسان بسيط المظهر، فقير الهيئة، لا يُلتفت إليه، وربما يُقصى عن مجالس الكبار، لكن قلبه عامر بالله، وروحه صادقة، حتى يصير قسمه على الله مستجابًا. هذا هو القرب الحقيقي، وهذا هو الشرف الذي لا يُشترى.
▪️القرب من الرسول ﷺ ليس شعارًا يُرفع، ولا نسبًا يُدّعى، بل سيرة تُعاش، وأخلاق تُجسَّد، واتباع يُترجَم سلوكًا يوميًا. من أحبّ النبي ﷺ صدقًا، وأطاع الله خلوةً وجلوةً، وسار على هديه رحمةً وعدلًا وتواضعًا، دخل في هذا القرب النوراني، ولو كان مجهول الاسم، بعيد الدار، بسيط الحال.
▪️هنيئًا لكل قلبٍ تعلّق بمحمد ﷺ حتى تشبّع بنوره. هنيئًا لمن جعل الأخلاق المحمدية نسبه، والاتباع الصادق هويته، والتقوى عنوانه. تلك بشارة لا يحدّها زمن، ولا يغلقها باب، ولا يحتكرها دم. إنها طريق مفتوح لكل من أراد أن يكون قريبًا… قريبًا جدًا.

