المقالات

السعودية… الدولة الوحيدة المؤهلة لصناعة السلام العالمي

▪️من مهبط الوحي إلى هندسة المستقبل الإنساني تتجاوز المملكة العربية السعودية تعريف الدولة بوصفها كيانًا سياسيًا تقليديًا، لتغدو ظاهرة حضارية فريدة في تاريخ البشرية؛ ظاهرة تشكّلت على تخوم الوحي، وتغذت من قيم الرسالة، ونضجت عبر ممارسة واعية للمسؤولية الأخلاقية تجاه الإنسان أينما كان. فليست كل دولة قادرة على الحديث عن السلام، ولا كل قوة مؤهلة لصناعته، بل إن شروط هذا الدور الاستثنائي لا تجتمع إلا في كيانٍ واحدٍ شاءت العناية الإلهية أن يكون أرض الحرمين الشريفين، ومركز الثقل الروحي والأخلاقي للعالم.
▪️ومن يتأمل مسار التاريخ يدرك أن اختيار هذه الأرض لم يكن مصادفة، فقد رفع خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام دعاءه الخالد الذي حفظه القرآن الكريم بدقة جليلة:-
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
(سورة البقرة، الآية 126).
ويكاد هذا الدعاء يتجسد اليوم واقعًا معاشًا، حيث الأمن ركيزة، والطمأنينة منهج، والعطاء سمة أصيلة، لتتحول المملكة إلى نموذجٍ حيٍّ لدولة تتحقق فيها البركة في الاستقرار، والرزق في المعنى الواسع الذي يشمل الخير والنماء والمسؤولية.
▪️ولأن الرسالة الخاتمة انطلقت من هذه الأرض، فقد تشكل وعي الدولة السعودية الحديثة على هدي القيم النبوية التي جعلت الأخلاق أساس العمران، إذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم:- (إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق) وقال أيضًا:- (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ومن هذا المعين الأخلاقي استمدت المملكة فلسفتها السياسية، فغدت سياستها الخارجية امتدادًا لمفهوم الرحمة، وممارستها الدبلوماسية ترجمة عملية لمبدأ العدل، وقراراتها الحاسمة تعبيرًا عن مسؤولية لا تعرف التردد.
▪️وتبرز القيادة السعودية بوصفها العامل الحاسم في هذا التفرد؛ قيادة تمتلك وضوح الرؤية، وصدق المقصد، وصلابة القرار. قيادة لا تتعامل مع الأزمات بردود فعل عابرة، بل ضمن تصور شامل يدرك أن السلام لا يولد من فراغ، بل يُصنع عبر موازنة دقيقة بين القوة والحكمة، وبين الحزم والإنسانية. لذلك استطاعت المملكة أن تحجز موقعها كمرجعية موثوقة في عالم مضطرب، تلجأ إليها القوى المتخاصمة بحثًا عن مخرج، لا عن اصطفاف.
▪️وقد تجلت هذه المكانة في انخراط السعودية في ملفات دولية معقدة، حيث أسهمت بدور فاعل في تخفيف حدة التوترات الدولية، وقدمت منصات للحوار في أزمات كبرى، من بينها الأزمة الروسية الأوكرانية، عبر استضافة لقاءات ومباحثات دولية هدفت إلى فتح مسارات سياسية عقلانية تُقلص دائرة الدم والدمار. ولم يكن هذا الدور نابعًا من مصالح ضيقة، بل من قناعة راسخة بأن استمرار النزاعات يهدد الأمن الإنساني العالمي برمته.
▪️ويمثل الملف اليمني شاهدًا صارخًا على قدرة المملكة على الجمع بين صرامة حماية الأمن القومي، ومرونة السعي إلى السلام. فقد قادت المملكة جهودًا سياسية وإنسانية متواصلة لإنهاء الحرب، ودعمت مبادرات وقف إطلاق النار، وفتحت أبوابها للحوار، ومدّت يد العون للشعب اليمني عبر مشاريع إغاثية وتنموية غير مسبوقة، جسدها مركز الملك سلمان للإغاثة والعمل الإنساني الذي تحول إلى أحد أعمدة العمل الإنساني العالمي.
▪️وفي السودان، حضرت السعودية بوصفها صوت العقل والحرص، فبادرت إلى رعاية جهود التهدئة، واستضافت محادثات هدفت إلى تثبيت الهدن الإنسانية، وساهمت في إيصال المساعدات، واضعة وحدة السودان وسلامة شعبه فوق كل اعتبار، ومدركة أن ترك هذا البلد الجريح فريسة للفوضى يعني تهديدًا للاستقرار الإقليمي بأسره.
▪️وامتد هذا النهج إلى سوريا ومناطق أخرى أنهكتها الحروب والكوارث، حيث لم تنكفئ المملكة عن مسؤوليتها، بل واصلت دعمها الإنساني والدبلوماسي، وسعت إلى إعادة دمج الدول المنكوبة في محيطها الطبيعي، إيمانًا بأن العزلة لا تصنع سلامًا، وأن إعادة البناء تبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان.
▪️ويٌعد مركز الملك سلمان للإغاثة والعمل الإنساني التعبير الأوضح عن فلسفة السعودية في صناعة السلام، فهو ذراع رحمة لا تعرف التمييز، ومؤسسة تعمل وفق أعلى المعايير الدولية، وقد نفذت آلاف المشاريع في عشرات الدول، مؤكدة أن السلام يبدأ بإغاثة الجائع، وعلاج المريض، وحماية الطفل، وصون الكرامة الإنسانية.
▪️وتتكامل هذه الجهود مع رؤية المملكة 2030 التي قدمت مفهومًا جديدًا للسلام، قائمًا على التنمية المستدامة وبناء الإنسان، وتعزيز الحوار بين الثقافات، وتوسيع الشراكات الدولية، بما يجعل الاستقرار نتيجة طبيعية للنمو والعدالة والفرص المتكافئة.
ومن مجموع هذه العناصر تتشكل صورة الدولة الوحيدة المؤهلة لصناعة السلام العالمي؛ دولة تمتلك الشرعية الروحية، والقوة السياسية، والقدرة الاقتصادية، والمصداقية الأخلاقية، والقيادة الواعية. دولة لا تتاجر بالسلام شعارًا، ولا تستخدمه أداة ضغط، بل تتعامل معه بوصفه رسالة ومسؤولية تاريخية.
▪️وهكذا، ومن أرضٍ ارتبطت بدعاء إبراهيم عليه السلام، وانطلقت منها رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، تواصل المملكة العربية السعودية أداء دورها الفريد، صوتًا للحق، وميزانًا للعدل، وركيزة للسلام، في عالم تتكاثر فيه أسباب الصراع وتندر فيه الدول التي تملك شجاعة الحكمة وقداسة المقصد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى