عام

من القوامة إلى الشراكة- المرأة السعودية من جدل 2009 إلى دولة الرؤية د

كتبتُ عام 2009 مقالاً بارزاً بعنوان «في مسألة القوامة»، نشرته في موقع إيلاف : الإثنين 23 مارس 2009. ناقشت فيه حقوق المرأة السعودية في سياقٍ كان الجدل فيه محتدمًا بين النص الديني والتفسير الاجتماعي، وبين مفهوم القوامة بوصفها مسؤولية أسرية، ومحاولات تحويلها إلى وصاية عامة على المرأة في المجال العام. وهو مقال أثار كثير من اللغط والردود آنذاك

كنت أتحرك في مساحة شائكة، يتداخل فيها الفهم الديني بالموروث الاجتماعي، وتختلط فيها النصوص القطعية بالاجتهادات البشرية. يومها كانت المطالبة بتأنيث محلات بيع المستلزمات النسائية، أو إلغاء الوكيل الشرعي، أو حتى مجرد الحديث عن قيادة المرأة للسيارة، تُعد عند البعض خروجًا على “الثوابت”، بينما هي في حقيقتها نقاشٌ حول المواطنة لا حول الأسرة، وحول الدولة لا حول البيت.
اليوم، وبعد أكثر من عقد ونصف، لا تبدو تلك القضايا محل جدل فكري فحسب، بل أصبحت قرارات دولة وسياسات عامة، نفذتها القيادة السعودية ضمن مشروع وطني شامل أعاد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة، وبين النص والواقع، وبين القوامة بوصفها مسؤولية أسرية لا وصاية اجتماعية.

القوامة: من التأويل الاجتماعي إلى الضبط المؤسسي
أكدتُ في مقالي القديم أن القوامة الواردة في قوله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا﴾ [النساء: 34] هي قوامة تكليف لا تشريف، ومسؤولية مرتبطة بالأسرة والإنفاق، وليست تفويضًا عامًا للرجل على المرأة في الفضاء العام.
ما حدث لاحقًا في السعودية هو أن الدولة حسمت هذا الجدل عمليًا، حين نزعت من العرف الاجتماعي سلطة تفسير النص خارج سياقه، وأعادت تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة عبر الأنظمة لا عبر الأهواء. فلم تعد المرأة تُدار باعتبارها “تابعًا”، بل مواطنة كاملة الأهلية، مسؤولة أمام النظام، لا تحت وصاية أحد.

من المطالبة إلى القرار: التحول بعد 2015
مع انطلاق رؤية السعودية 2030 عام 2016، دخل ملف المرأة مرحلة غير مسبوقة من الحسم والتنفيذ. لم يعد الإصلاح خطابًا أو وعودًا، بل مسارًا تشريعيًا وتنفيذيًا واضحًا:
• السماح بقيادة المرأة للسيارة (2018)، وإنهاء أحد أبرز رموز الوصاية الاجتماعية، بقرار سيادي صريح.
• إلغاء معظم صور الولاية على المرأة الراشدة في السفر والعمل والتعليم، وتكريس استقلالها القانوني.
• توسيع مشاركة المرأة في سوق العمل حتى تجاوزت نسبة مشاركتها 36% بحلول 2023، مقارنة بنحو 17% عام 2017.
• تمكين المرأة في مواقع القرار: نائبات وزير، مساعدات وزير، عضوات في مجلس الشورى، قيادات في القضاء والنيابة العامة، وسفيرات يمثلن المملكة في الخارج.
هذه التحولات لم تكن استجابة لضغوط خارجية، بل جاءت ـ كما أكدت القيادة مرارًا ـ من قراءة وطنية واعية لمتطلبات التنمية، ومن فهم مقاصدي للشريعة الإسلامية التي تجعل العدل ورفع الحرج وتحقيق المصلحة في صدارة الأحكام.

المرأة السعودية: من الهامش إلى الإدارة
ما كان يُعد في 2009 استثناءً ـ مثل تعيين نورة الفايز نائبة لوزير التعليم ـ أصبح اليوم ظاهرة مؤسسية. المرأة السعودية اليوم:
• تتولى مناصب قيادية في الوزارات والهيئات السيادية.
• تقود شركات كبرى، وتشارك في رسم السياسات الاقتصادية.
• تمثل المملكة في المحافل الدولية كسفيرة وقيادية أممية.
وهنا تتجلى المفارقة التاريخية:
لم تُنتقص القوامة الأسرية، ولم تُمس بنية الأسرة، بل انتهى الخلط بين القوامة والوصاية، وبين الدين والعرف، وبين النص والاجتهاد البشري.

من المقال إلى الدولة
إذا كان مقالي عام 2009 دعوة فكرية لكسر الاحتكار الذكوري لفهم القوامة، فإن ما تحقق بعد 2015 هو تحويل تلك الدعوة إلى سياسة دولة.
دولة الحزم والعزم لم تدخل في سجال فقهي مفتوح، بل اختارت الطريق الأنجع:
التنظيم بالقانون، والحسم بالقرار، والاحتكام للمصلحة العامة.
وهكذا، لم تعد المرأة السعودية بحاجة لمن “يدافع عنها” في المقالات، بل أصبحت شريكة في صياغة القرار، ومسؤولة عن نجاح التجربة، ومحكومة ـ كالرجل ـ بالواجب قبل الحق.

خاتمة
القوامة التي خشي البعض أن تسقط، لم تسقط.
والأسرة التي قيل إنها ستنهار، لم تنهَر.
والمجتمع الذي حُذّر من التغيير، ازداد تماسكًا وثقة بنفسه.
ما سقط حقًا هو سوء الفهم، وما انتهى هو الخلط بين الدين والعادة، وما انتصر في النهاية هو منطق الدولة العادلة التي تحترم الإنسان، رجلًا كان أو امرأة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى