في كل ساحة فكرية حيّة
تُقاس القيمة بما يُنجَز لا بما يُدَّعى وبالأثر لا بالهالة
غير أنّ المشهد العلمي والفكري والثقافي بات يشهد ظاهرةً مقلقة
تتمثّل في ادّعاء ألقاب علمية غير موثّقة وتضخيم سيرٍ ذاتية مزيفة تُنسب فيها شهادات ومناصب ومشاركات وبحوث لا وجود لها في سجلات الجامعات ولا في منصّات النشر المحكَّم
ولا في أرشيف المؤتمرات الدولية.
ليست المشكلة في الطموح ولا في السعي إلى الاعتراف بل في التدليس حين يتحوّل
إلى وسيلة قفز على الاستحقاق
فالدكتوراه ليست لقبًا يُعلَّق على الأسماء
بل مسارًا علميًا موثّقًا وإشرافًا أكاديميًا معتمدًا ونقاشًا علنيًا وأثرًا بحثيًا يمكن التحقق منه. والسيرة الذاتية ليست مساحة للزينة بل سجل مسؤولية يُختبر بالوقائع لا بالادّعاءات.
الأخطر من ذلك أنّ هذه الممارسات تُربك المعايير وتُزيّف القدوات وتفتح المنابر لأصوات عالية بلا إنتاج
فيما تُقصى الكفاءات الجادّة التي تعمل بصمت.
وحين يتقدّم القناع على الجوهر تُصاب الثقة في المعرفة
ويختلط الباحث الحقيقي بصاحب الخطاب الإنشائي وتتحوّل الساحة الثقافية إلى فضاء ضجيج لا معنى.
المعرفة الصادقة لا تحتاج إلى تضخيم فهي تقف على براهينها
توثيق ونشر ومشاركة علمية وحضور قابل للتحقّق أما الألقاب التي بلا جذور، والسير التي بلا شواهد فهي مهما لمع بريقها لا تصمد طويلًا أمام أول سؤال جاد.
إن الدعوة هنا ليست إلى التشهير بل إلى حماية المعايير وترسيخ ثقافة التحقّق وتقديم الأثر على اللقب والجوهر على الهالة فالمجتمعات التي تتسامح مع التزييف المعرفي
تفرّغ الثقافة من معناها وتحوّلها إلى سوق أوهام.
ويبقى الرهان الحقيقي على وعيٍ ثقافي لا يُخدع بالألقاب ولا ينحني أمام السير المصقولة
بل يسأل دائمًا:
أين الأثر؟
وأين الشاهد؟




