لم يعد التطوير الحضري في المدن الكبرى يُقاس بحجم المشروعات أو اتساع الرقعة العمرانية فحسب، بل بقدرته على تحسين حياة الإنسان، واستدامة استقراره الاجتماعي، ورفع جودة تجربته اليومية داخل المكان. وفي مدينة ذات خصوصية دينية وروحانية مثل مكة المكرمة، تتضاعف أهمية هذا المفهوم، إذ يصبح التخطيط الحضري مسؤولية إنسانية قبل أن يكون مشروعًا عمرانيًا.
من هذا المنطلق، يأتي برنامج الأحياء المطوّرة بوصفه نموذجًا حديثًا للتنمية الحضرية، لا يقتصر على معالجة التشوهات العمرانية، بل يتعامل مع الإنسان باعتباره محور التحول، وغاية التخطيط، وأساس الاستدامة. فالمدينة، في جوهرها، ليست مباني وطرقًا، بل منظومة حياة تؤثر في الصحة النفسية والجسدية، وفي السلوك الاجتماعي، وفي شعور الأفراد بالأمان والانتماء.
وقد تشرفت بحضور الإحاطة الصحفية الخاصة بالبرنامج أول أمس الثلاثاء، ممثّلةً لهذه الصحيفة، حيث استمعت إلى حديث الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، المهندس صالح بن إبراهيم الرشيد. وقد اتسم الطرح بالوضوح والشفافية، مع إجابات مباشرة على تساؤلات الإعلاميين، عكست وضوح الرؤية، ومنهجية التخطيط، وجدية الطرح في هذه المرحلة التأسيسية للبرنامج.
الإحاطة الإعلامية جاءت شاملة لكافة محاور البرنامج، موضحة أهدافه ومراحله التنفيذية وآليات العمل، في إطار تواصلي احترافي يعكس حرص الهيئة على بناء شراكة واعية مع الإعلام، بوصفه شريكًا في نقل المعلومة وتعزيز الفهم المجتمعي، لا مجرد ناقل للخبر.
ومن بين الأسئلة المطروحة، كان لي سؤال موجّه إلى الرئيس التنفيذي للهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، المهندس صالح بن إبراهيم الرشيد، حول ملف التعويضات ونطاقات التطوير. فجاءت الإجابة دقيقة ومطمئنة، مؤكدة أن الإجراءات تُنفذ وفق خطط زمنية واضحة، ومن خلال منصات رسمية معتمدة، وبما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتحت إشراف مباشر يضمن حقوق المواطنين ويحافظ على استقرارهم الاجتماعي والمعيشي.
ما يلفت الانتباه في برنامج الأحياء المطوّرة هو تركيزه الواضح على البعد الإنساني للتنمية. فالبيئة الحضرية ليست مجرد إطار مكاني، بل عامل مؤثر في صحة الإنسان النفسية والجسدية، وفي سلوكه اليومي، وقدرته على التفاعل الإيجابي مع محيطه. وكلما كانت البيئة أكثر تنظيمًا وتكاملًا في خدماتها، انعكس ذلك مباشرة على جودة الحياة ومستوى الرفاه.
إن توفير الخدمات الأساسية، وتحسين البنية التحتية، وتهيئة الأحياء السكنية بما يلبي احتياجات الحياة اليومية، لا يغيّر شكل المدينة فقط، بل يغيّر تجربة الإنسان داخلها؛ فيمنحه إحساسًا بالأمان، ويعزز توازنه النفسي والاجتماعي، ويهيئه ليكون أكثر اندماجًا وإنتاجية. ومن هنا، يصبح التطوير الحضري وسيلة لصناعة إنسان أكثر استقرارًا، لا مجرد تحسين للمشهد العمراني.
وفي مدينة ذات خصوصية دينية وروحانية فريدة مثل مكة المكرمة، يكتسب هذا التوجه بعدًا أعمق؛ إذ يرتبط التطوير الحضري ارتباطًا مباشرًا ببناء الإنسان وتنمية المكان وجودة المعيشة، سواء لسكانها أو لضيوفها. وهو ما يجعل من برنامج الأحياء المطوّرة نموذجًا لتنمية واعية توازن بين قدسية المكان ومتطلبات الحياة المعاصرة، وتضع الإنسان في صميم التحول الحضري.
إن التحول الحضاري الحقيقي لا يبدأ من المباني، بل من فهم الإنسان واحتياجاته. والمدينة الناجحة هي التي تُصمَّم لتدعم حياة الإنسان، لا أن تُثقله بتفاصيلها. ومن هذا المنطلق، يقدّم برنامج الأحياء المطوّرة نموذجًا متسقًا مع رؤية المملكة 2030، التي جعلت الإنسان محور التنمية وغايتها.
وفي هذا السياق، يأتي تصريح سمو وزير الداخلية:
«إطلاق برنامج الأحياء المطوّرة في مكة المكرمة يجسّد دعم سمو ولي العهد لمسيرة التنمية وتحسين جودة الحياة»،
ليؤكد أن ما تشهده مكة اليوم ليس مجرد تطوير عمراني، بل مسار تنموي إنساني يُعاد فيه تشكيل المكان ليخدم الإنسان، ويحفظ كرامته، ويعزز جودة معيشته.
* صحفية مهتمة بجودة الحياة






