المقالات

لغة الغزل وحدودها

لم يكن الغزل يومًا جريمة.
كان، في أجمل صوره، لغة إنسانية راقية تقول ما يعجز عنه الكلام المباشر، وتترك للخيال مساحة كي يكمّل المعنى.

 السؤال لم يعد اليوم عن جمال الغزل، بل عن وظيفته الجديدة:
هل ما زال تعبيرًا إنسانيًا… أم تحوّل في بعض حضوره إلى أداة تأثير وضغط؟

لكن المشكلة لم تبدأ حين كُتب الغزل… بل حين تغيّرت وظيفته.

اليوم، لم يعد الغزل مجرد تعبير جمالي، بل تحوّل – في كثير من حضوره – إلى رسالة ضغط،
تتسلّل بهدوء، وتُعاد مرارًا، حتى تصبح جزءًا من الخلفية اليومية للحياة.

في الشعر القديم، كان الغزل انتظارًا،
وفي الرسائل الورقية كان شوقًا،
أما اليوم، فهو إشعار يصل في أي وقت، وصورة تُرسل بلا سياق،
وجملة تُلقى بلا مسؤولية.

هنا لا يعود السؤال:
هل الغزل جميل أم لا؟
بل يصبح: متى يتحوّل الغزل من لغة تواصل إلى أداة تأثير؟

الرسائل الغزلية المتكررة لا تقول فقط: أعجبك.
بل تقول – دون تصريح –:
قارن نفسك.
اختبر صورتك.
أعد تعريف قيمتك.

وهنا يبدأ الضغط.

ضغط على المرأة أن تكون دائمًا في حالة استعداد:
جذابة، حاضرة، مقروءة، مُفسَّرة.

وضغط على الرجل أن يكون دائم المبادرة:
مُلفتًا، جريئًا، حاضرًا في ساحة لا تهدأ.

في كتب التراث، كان الغزل يُدار بوعيٍ مختلف.
يروي ابن حزم في طوق الحمامة قصة عاشقٍ كان يكتفي بنظرة،
فإذا أحسّ أن الإطالة قد تُثقِل على من يُحب، انصرف قبل أن يُساء فهم حضوره.

لم يكن يخشى الرفض،
بل كان يخشى أن يتحوّل الإعجاب إلى اقتحام، وأن يصبح الغزل عبئًا بدل أن يكون تعبيرًا.

هكذا كان الغزل قديمًا:
اختيارًا محسوبًا… لا ضغطًا متكررًا.

ولم يكن هذا الوعي حكرًا على كتب التراث وحدها،
بل ظل حاضرًا في الغزل الناضج حتى في الشعر الحديث.

يقول الأمير خالد الفيصل:

مرتاح أحبك ولا علمت
حتى انت عييت أبين لك

غزلٌ يكتفي بالحب،
دون أن يطلب مقابله اعترافًا،
أو يفرض على الآخر عبء الفهم أو الرد.

فالحب حين يكون وعيًا،
لا يحتاج أن يُعلَن…
ولا أن يُكرَّر.

المشكلة أن الغزل، حين يفقد هذا الوعي،
لا يُطلب،
ولا يُناقَش،
ولا يُتّفق عليه.

يصل فجأة…
ويبقى أثره طويلًا.

كلمة واحدة قد تُنسى،
لكن تكرار الكلمة يصنع أثرًا،
ويحوّل الإعجاب إلى عبء،
والتقدير إلى مطالبة غير معلنة.

في هذا المشهد،
لا أحد يرفع صوته،
ولا أحد يعلن نواياه،
لكن الرسالة تصل:

أنت موضوع نظر دائم.

وهنا يفقد الغزل براءته.

الوعي لا يُجرّم الغزل، ولا يطالب بإلغائه، لكنه يسأل سؤالًا بسيطًا:

هل ما أرسله الآن
يُضيف إنسانية…
أم يفرض حضورًا؟

هل هو تعبير،
أم اختبار؟

الغزل حين يكون اختيارًا متبادلًا
يُثري العلاقة.
وحين يكون اقتحامًا متكررًا
يُحوّل الإنسان إلى ساحة.

وهنا يصبح الصمت أحيانًا
أكثر احترامًا من ألف بيت شعر.

نحن لا نُصادر اللغة،
ولا نُخيف المشاعر،
لكننا نذكّر بأن:

كل رسالة تحمل أثرًا، وكل أثر مسؤولية.

العلاقة بين الرجل والمرأة
لا تنهار بسبب كلمة واحدة،
بل بسبب تراكم كلمات لا يُسأل عن أثرها.

وهنا، لم يعد السؤال: من قال؟

بل:
لماذا قيل… وكيف استُقبِل؟

ختامًا
الغزل لا يفقد قيمته حين يُقال،
بل حين يُقال بلا وعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى