في شهر رمضان المبارك تتجلّى أسمى صور التكافل، ويشرق وجه المجتمع بنور العطاء، حين يهبّ رجال البر والإحسان لتضميد جراح المحتاجين، وبثّ الأمل في قلوب المتعففين الذين حالت ظروفهم دون مدّ أيديهم بالسؤال. هؤلاء النبلاء لا يصنعون معروفًا عابرًا، بل يحيون في الناس معنى الرحمة، ويجسدون حقيقة أن هذا الوطن — قيادةً وشعبًا — جبل على الفزعة والنخوة.
ومن بين القصص التي وقفتُ عليها مؤخرًا، قصة رجل أنهكه المرض، وتآمر عليه الفقر، وتعثرت حياته بإيقاف الخدمات، بينما ترقد والدته طريحة المرض في المستشفى، وهو لا يملك حتى قيمة مشوار التاكسي لزيارتها. كِبر سنّه وظروفه الصحية لم تسعفاه على العمل كما ينبغي، فأصبح يرقب أهل الخير كما يرقب المسلمون هلال رمضان، وكل أمله أن يجد قوت يومه ليتمكن من الصيام بكرامة.
تواصل معي هذا الرجل، وطلب أن أنقل معاناته إلى أهل البذل والعطاء. وجهته إلى أحد الأعيان الكبار بعطفهم وحنانهم وبسمو أخلاقهم، في مكة المكرمة، صاحب المواقف المشرّفة، لكنه كان يحمل همّ المشوار من جدة إلى مكة. ولم يطل القلق، إذ تكفّل ذلك المحسن الكريم بقيمة الرحلة قبل أن يلتقيه، في موقف يجسد سرعة الاستجابة وصدق النية.
وفي اليوم التالي وصلتني منه رسالة صوتية عبر «الواتساب»، وكانت السعادة تغمر صوته، وهو يخبرني أن الله أكرمه على يد ذلك المحسن بمبلغ مالي مجزٍ، وسلتين غذائيتين وافرتين، تكاد كل واحدة منهما تعادل حمل بعير. عندها غبطتُ صديقي المحسن على صنيعه، وهنأته بفعله النبيل، كما هنأته بحلول الشهر الفضيل، سائلاً الله أن يتقبل منه، وأن يجعله ممن سخّرهم لخدمة المتعففين.
إن رجال البر والإحسان هم بلسم الحياة للفقراء والمساكين، ووجودهم في مجتمعنا نعمة عظيمة تستحق الشكر والثناء. وفي البلد الأمين تتجدد كل عام مشاهد العطاء، لتؤكد أن الخير باقٍ في هذه الأرض، وأن يد الإحسان ستظل — بإذن الله — ممتدة لكل محتاج، ما بقي في الناس قلب رحيم ونفس كريمة.


