المقالات

استراتيجيات التفوق النفسي الأمريكي في المواجهة العسكرية

وأنا أتابع تصريحات وزير الدفاع الأمريكي Pete Hegseth، أمس لفت انتباهي تركيزه اللافت على البعد النفسي في المواجهة أكثر من تركيزه على تفاصيل العملية العسكرية نفسها مع إيران.
لم يكن يتحدث عن طوربيد أُطلق في عرض البحر فحسب، بل كان يطلق معه رسائل محسوبة بدقة، تستهدف معنويات الخصم بقدر ما تستهدف قدراته.
ما يميز الخطاب الأمريكي في الحروب أنه لا يكتفي بالكلمات وحدها؛ فالقوة الميدانية للجيش هي التي تمنح هذه التصريحات مصداقيتها. حديث وزير الدفاع هنا اكتسب القوة ليس بمجرد الإعلان، بل بفضل غرق السفينة فعليًا ثم استثمار هذه الضربة إعلاميًا. فالكلمة تصبح أداة فعالة عندما تتطابق مع نتائج على أرض الواقع، وهذا ما تفعله الولايات المتحدة في كل حرب تخوضها: الخطاب مدعوم بالقدرة العسكرية الملموسة، ما يجعل التصريحات أكثر قوة ومصداقية.
العبارات التي استخدمها لم تبدُ عفوية أو موجهة للاستهلاك الإعلامي، بل جاءت مشبعة بدلالات تتجاوز الحدث العسكري المباشر. حديثه عن سفينة كانت “تظن أنها في مأمن”، وإشارته إلى البعد التاريخي للعملية، ثم تأكيده أن ما جرى ليس سوى البداية، وأن ترامب هزم قاسم سليماني مرتين، كلها مؤشرات على خطاب يُدار بعقل استراتيجي يدرك أن الحروب الحديثة تُخاض بالكلمة والصورة والانطباع.
حين يؤكد أن السفينة الإيرانية «سليماني» استُهدفت وهي تعتقد أنها في مأمن داخل المياه الدولية، فهو لا يكتفي بإعلان نجاح عملية عسكرية، بل يهدم فكرة الحصانة ذاتها. الرسالة هنا تتجاوز الواقعة: لا ملاذ آمن، ولا ضمانات ثابتة، ولا مناطق خارج الحساب. وهذا النوع من الرسائل يضرب الثقة قبل أن يضرب العتاد، ويزرع الشك في منظومة الردع لدى الخصم.
أما استدعاء الحرب العالمية الثانية في سياق الحديث عن أول إغراق بطوربيد منذ ذلك الزمن، فليس تفصيلًا تاريخيًا عابرًا. إنه رفع متعمد لسقف الحدث، ووضعه في إطار لحظة مفصلية. بهذه المقارنة، يتحول الاشتباك من مواجهة إقليمية إلى مشهد ذي امتداد تاريخي، وتُقدَّم العملية بوصفها علامة فارقة لا حادثة معزولة. إنها طريقة ذكية لتكبير الصورة في أذهان الجمهور، داخليًا وخارجيًا. كما أن ذكر اسم “سليماني” ليس مصادفة؛ إنه كسر رمزي لإيران واستدعاء لسردية عام 2020 التي انتهت بمقتل القائد قاسم سليماني.
ثم يأتي التصعيد اللفظي حين يصف ما جرى بأنه بداية فقط، وأن موجات أكبر قادمة. هذا النوع من الخطاب لا يهدف إلى التهويل كما يفعل البعض، بقدر ما يهدف إلى ضبط الإيقاع النفسي للمواجهة. الخصم يُوضع في حالة ترقب دائم، والجمهور الداخلي يُطمأن بأن زمام المبادرة بيد قيادته. إنها معادلة دقيقة بين الضغط في الخارج وتعزيز الثقة في الداخل.
اللافت أيضًا التوازي الواضح في رسم صورتين متقابلتين: قدرات تتآكل ساعة بعد ساعة، في مقابل قوة تتزايد شراسة وذكاء. هذا البناء اللغوي لا يأتي اعتباطًا؛ فهو يصنع مسارًا ذهنيًا يوحي بأن كفة الميزان تتحرك بثبات في اتجاه واحد. وهنا يتحول التصريح من إعلان عملية ناجحة إلى سردية كاملة عن تفوق متصاعد وتراجع متدرج.
في المقابل، يمكن النظر إلى تجربة وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف خلال حرب العراق مع أمريكا، فقد كان معروفًا بإطلاق تصريحات قوية وجريئة للغاية، مثل تأكيد انتصار القوات العراقية أو استحالة دخول الجيش الأمريكي بغداد، لكنها لم تكن مدعومة بنتائج ملموسة على الأرض، فتأثيرها كان ضعيفًا مقارنة بما يحققه الخطاب الأمريكي المدعوم بالقوة العسكرية. هذا يوضح أن الكلام وحده لا يكفي إذا لم يتوافق مع الواقع الميداني.
في تقديري، ما نتابعه ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل نموذج لكيف تُدار الحروب الحديثة على مستويين متوازيين: ميدان يُستخدم فيه السلاح، وميدان آخر يُستخدم فيه الخطاب. قد تغرق سفينة في البحر، لكن الأثر الأعمق يتحقق حين تهتز صورة القوة لدى الخصم، أو حين تُعاد صياغة معادلة الردع في أذهان المتابعين.
ولهذا فإن قراءة مثل هذه التصريحات ينبغي ألا تتوقف عند حدود الحدث العسكري. الأهم هو فهم الرسائل المبطنة، وكيف تُستخدم اللغة لتكريس التفوق، وتوسيع مساحة الردع، وفرض رواية بعينها على المشهد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى