رغم أن خريطة العالم العربي لم تعد تحتمل مزيداً من الحرائق، إلا أن حكومة أبوظبي مازالت تصرّ على لعب دور مهندس الحرائق المتنكر بزيّ الإطفاء؛ تشعل النيران أولاً، ثم تقف أمام الكاميرات لتتحدث عن الاستقرار والحلول السياسية، وكأن الخراب الذي خلفته مجرد مشهد ثانوي في دراما النفوذ الإقليمي. إنها سياسة يمكن وصفها بـ سياسة غباء الشيطان؛ لا لأنها ساذجة، بل لأنها استمرار متعمد للتخريب الذي وعد به أصلاً، حيث الإصرار على الخراب أصبح عقيدة، والعناد السياسي هدفاً بحد ذاته. في كل ساحة تدخّلت فيها أبوظبي، كانت النتيجة واحدة: دولة منهكة، صراع أطول، دماء أكثر… ثم إنكار كامل وصمت بارد، بلا مراجعة، بلا اعتراف، وبلا أي شعور بالمسؤولية الأخلاقية أو السياسية.
في ليبيا، لم يكن دعم الانقلابات وتمويل المليشيات مجرد خطأ، بل ترجمة عملية لهذا النهج: تفكيك الدولة أولاً، ثم الوقوف على أنقاضها للحديث عن الحل السياسي. وحتى في أحدث الملفات الليبية، المتعلقة باغتيال سيف الإسلام القذافي قبل يومين، عاد اسم نفوذ أبوظبي ليُتردّد في التحليلات، ولا سيما في سياق علاقة الأطراف العسكرية المتنافسة مثل خليفة حفتر وبعض القوى الموالية له. وسواء ثبتت هذه الاتهامات أو لم تثبت، فإن الأخطر أن أبوظبي لم تعد خارج دائرة الظن السياسي، وسمعتها لا تُمحى بابتسامات أمام الكاميرات، ولا بالسجادات الحمراء، ولا ببيانات العلاقات العامة المصقولة، فهي بصمة ثابتة في التاريخ السياسي، لا يمكن تبييضها بأي مسرحيات إعلامية.
أما اليمن، فقد خرجت قوات أبوظبي مطرودة ومدحورة بعد سنوات من التدخل العنيف، لكن أبوظبي لم تتوقف عن العبث الشيطاني، إذ تواصل التأثير عبر بعض المرتزقة والفوضى المدفوعة مسبقاً، في محاولة لإشعال التوتر والتحكم في بعض المناطق عن بُعد، رغم انسحاب قواتها الفعلي. في المقابل، لعبت المملكة العربية السعودية دوراً كبيراً مع الأشقاء في اليمن، فرضت الأمن وحافظت على الأرواح والممتلكات، وبدأ المواطن اليمني في عدن والمكلا وغيرها من المناطق يلمس تحسناً ملموساً في الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والغاز والوقود، بعد سنوات من المعاناة التي سبّبتها سياسات أبوظبي ومليشياتها. ومع ذلك، ظلّت مسألة سيادة الدولة اليمنية الكاملة تحدياً قائماً، إذ ما زالت محاولات العبث اليائسة من قبل أذرع أبوظبي تظهر في بعض المناطق، رغم الانسحاب العسكري الفعلي لقوات أبوظبي. وفي السودان، تتكرر المأساة بلا خجل سياسي؛ دعم أطراف بعينها، إطالة أمد الحرب، صمت مطبق، وكأن الأرواح أرقام مؤجلة في حسابات النفوذ. الفوضى هنا ليست خللاً، بل استراتيجية، والتدخل ليس صدفةً، بل قراراً.
في المقابل، لا تتوقف ماكينة التلميع الإعلامي عن العمل: زيارات رسمية، بروتوكولات، كاميرات، ابتسامات، بيانات نوايا… كل ذلك لمحاولة إقناع الداخل أولاً، بأن النظام لا يزال لاعباً مؤثراً دولياً، بينما الواقع يقول إن المكانة الدولية تُقاس بالاحترام السياسي، لا بعدد الصور الرسمية أو طول السجاد الأحمر. وبين كل هذا الخراب، تواصل أبوظبي سياسة الإصرار على الخطأ، ظنّاً منها أن الضجيج الإعلامي يمكن أن يخفي ما لا يمكن للعالم تجاهله. فالدول الكبرى لا تُعجب بمن يشعل الحرائق ثم يتحدث عن السلام، ولا تعترف بمن يوزّع بيانات عن الاستقرار فيما الخراب مستمر. أبوظبي اليوم تقف بين خراب الساحات ووهم النفوذ، تحاول تلميع سجل طويل من الفشل، لكنها نسيت أن التاريخ لا يرحم، وأن النفوذ الحقيقي لا يُبنى على الكاميرات ولا يُشترى بالابتسامات.
سوء الخاتمة:
استمرار العبث لم يكن مجرد خطأ، بل خطة مقصودة للتدمير. وأحلام العصافير عن النفوذ الإقليمي تتهاوى أمام واقع الخراب الذي خلفته أبوظبي، وسمعتها لا تُمحى حتى بأضخم حملات التلميع الإعلامية… التاريخ يراقب، ولن يغفر لمن يزرع الخراب ويعتقد أنه سيبقى بلا حساب.



