المقالات

نفحات رمضانية (2) .. “صوموا تصحوا”

لا شك أن الحياة الدنيا دار امتحان وتمحيص للإنسان، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون : 115]
ولقد فرض الصوم في السنة الثانية للهجرة بعد أن تعمق الإيمان في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم، لما فيه من المشقة، ولما يتطلبه من الصبر والتحمل، وتلك حكمة إلهية في تدرج التشريع، لتهيئة النفوس وترويضها على الطاعة، وهي من رحمة الله بعبادة، لما يعلم عن ضعفهم، وقلة تحملهم، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء : 107]
وفي ذلك درس تربوي يجب أن يؤخذ في الاعتبار في التعليم والتعاملات الحياتية، إذ إن مراعاة أحوال الناس ومدى تقبلهم لما يطلب منهم أمر في غاية الأهمية، سيما أن الفروق الفردية تلعب دورا مهما في ذلك التفاوت، سواء ما يتعلق بالجانب النفسي أو العقلي أو العاطفي أو حتى القدرة الجسدية، والتي تعد في مجملها منظومة تشكيل الشخصية، إذ إن الإتساق فيما بينها يحقق التكيف مع مجريات الحياة بنجاح عالٍ.

ولقد جاء الإسلام لتكريم الإنسان، ليصلح شأنه كله، وليعيش في صحة ووئام وانسجام؛ نفسيا وجسديا، وهو ما يتحقق من خلال الصوم، إذ تتجرد النفس من ثقل الحياة بمكدراتها، والتي منشأوها عبثيات الهوى والشيطان، التي طالما أرّقت المضاجع بكثرة القلاقل أو الوساوس أو المشاكل، ليأتي شهر الصوم لتصفية كل تلك الملوثات، كحل ناجع لغسل سموم القلوب من كل ما يعكر صفوها، وليرتقي بها لعالم أكثر جمالا ونقاء، لترتع في رحاب الطاعات، ولتعيش في روضات الجنان، كما أثر عن ابن تيمية: “إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”.

وكما أنه يزيل صدأ القلوب وملوثات النفوس فإن أثره أبلغ وأوضح في الصحة البدنية، لحديث: “صوموا تصحوا” كون الصوم ينظف الجسم من السموم، ويخفف من الدهون، ويحد من ارتفاع نسبة السكر والكوليسترول في الدم، وإعادة ضبط الوظائف الحيوية في سبيل تعزيز الصحة العامة.
الصوم وجاء، تربية إيمانية، طمأنينة وراحة بال، فمن عاشه بمعناه الفعلي؛ إيمانا واحتسابا، فهو في خير عظيم وأجر مضاعف غير محدود ولا مجذوذ، كما ورد في الحديث القدسي:” كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزئ به”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى