المقالات

جامعة الملك سعود: من الأصالة إلى التنصل؟!

تُعد جامعة الملك سعود من أعرق الجامعات محليًا وعالميًا، إذ يقارب عمرها الـ70 عامًا، فيما تحتل المرتبة 116 عالميًا حسب تصنيف شنغهاي. إنها معلَم وطني شامخ يجسّد الأصالة والرصانة، تحظى بثقة عالية وصيت واسع في الأوساط المجتمعية، بفضل كثافة المحتوى الأكاديمي وجودة مخرجاتها. فهي قلعة بحثية متكاملة، ورائدة في تأهيل الكوادر علميًا ومهنيًا وأدبيًا، ومركز للبحوث والتطوير والابتكار، خاصة في العلوم الإنسانية وعلم النبات والزراعة والطب والتخصصات العلمية المتنوعة. وقد عزز هذا كلُّه مكانتها كحقل تعليمي متين يتميز بعمق التأصيل، فأصبحت قبلة للباحثين عن التمكين العلمي والتأهيل الرصين. لذلك، تمثل الجامعة رمزًا وطنيًا شامخًا، وهوية علمية وثقافية وأدبية يُعتد بها في العلوم المتخصصة والنادرة. إنها منارة تستند عليها أو ترتبط بها العديد من الجهات الحكومية والهيئات البحثية والمرجعية، فضلا عن كونها المصدر الذي يُغذي المؤسسات التعليمية والخدمية بالكوادر المتخصصة، الأمر الذي يجعل قراراتها محكومة بالمصلحة العامة، والتوجهات الوطنية المرتبطة بالذاكرة الحية والهوية وصناعة الوعي، وتعزيز الانتماء، والاحتكام للثوابت والمبادئ والقيم. فالعلوم الإنسانية وعاء للمعرفة، تحفظ الموروث، وتشكل جسرا للتعايش وإدراك المتغيرات، والتعاطى مع الحداثة بطريقة متكيفة ومؤثرة. إن سبر التاريخ والإلمام باللغة والفقه والعادات والمعتقدات يمنح الفرد حصانة تحول بينه وبين التسطيح والتماهي، وترفع مستوى الضبط والقيادة. فالعلوم الإنسانية تبصّر الإنسان بنفسه أولاً، كما وتمتّن الصلة بين الجغرافيا والتاريخ، الانتماء والولاء، العمق الديني والقومي والتكنولوجي.

إن العناية بالعلوم الإنسانية يسهم في تكامل الشخصية الوطنية، بغض النظر عن حسابات سوق العمل. فالجامعة، بحجمها ودورها كحاضنة لتاريخ الوطن ولغته وثقافته وعراقته، تقع على عاتقها مسؤولية المحافظة على هذا الإرث العظيم كواجب وطني. ذلك أن العلوم الإنسانية أساس النمو والتطور، وبناء المهارات الشخصية في التواصل والتعايش والتأثير، وهي في جوهرها أصل النجاح في سوق العمل، وركيزة راسخة للتكوين المعرفي والمهاري. إن الاستناد إلى دراسات أو مقايسات أجنبية لا يُعد تطويرًا حقيقيًا، بل هو إلغاء لروح المجتمع وهويته وأصالته، وتدمير للبنية الأساسية لرأس المال البشري أكثر مما يصلحه، حينما يُنظر إلى الفرد على أنه آلة مهارية لا إنسان يمتلك عقلاً ووجدانًا.
إن القرارات الصادمة التي اتخذها مجلس الجامعة بإلغاء أو حجب عدد من الكليات والتخصصات تشكل زاوية حادة تربك الذاكرة الجمعية، وتمثل تنصلًا عن الدور المحوري للجامعة في تعميق البعد الوطني، ودعم توجهات القيادة في المحافظة على الإرث الحضاري لوطننا الذي يُعد قبلة العالم دينيًا وثقافيًا. كما تتعارض مع البرامج والمبادرات الوطنية الرامية إلى تعزيز الهوية وربط الأجيال بأمجادها وثقافتها، وتحقيق التمكين والريادة في مجالات التقنية والتخصصات المهنية الفائقة.

الخاتمة:
يُؤمل أن تتراجع جامعة الملك سعود عن قراراتها بحجب عدد من التخصصات في العلوم الأدبية والإنسانية، وكذلك أقسام وبرامج كلية الزراعة، خاصة أن الأخيرة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأمن الغذائي، تخرّج منها علماء أفذاذ وجهابذة عظام؛ لتبقى كما هي منارة علمية ومفخرة وطنية مرتبطة بذاكرة الوطن وعراقته وأمجاده العظيمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى