لا يزال عدد من النقاد، عبر تعليقاتهم في منصة «إكس»، يتعاملون مع مبادرات ثقافية مثل «الشريك الأدبي» و«سفراء جمعية الأدب» وغيرها، وكأنها مطالبة بأن تولد مكتملة الأركان، واسعة التأثير، عليها ألا تستضيف إلا الأسماء اللامعة، ولا تفتح أبوابها إلا لمن حاز اعترافا مسبقا من الوسط الثقافي. وكأن البدايات لم تعد حقا مشروعا، أو أن التدرج والتجربة واكتشاف المواهب الجديدة أمور لا مكان لها في العمل الثقافي.
ولو تأمل هؤلاء في مسيرة كثير من المبدعين حول العالم، لوجدوا أن معظم الأسماء الكبيرة لم تبدأ من القمة، وإنما واجهت في بداياتها التشكيك والرفض، وعانت من صعوبة إثبات حضورها لدى النقاد ودور النشر والجمهور. ومع ذلك، أتيحت لها الفرصة لتجرب وتتعلم وتتطور حتى بلغت مكانتها المعروفة اليوم.
والمفارقة أن كثيرا ممن يرفعون سقف التوقعات تجاه هذه المبادرات لم يشقوا طريقهم إلى الساحة الأدبية دفعة واحدة، ولم تحط بهم الشهرة منذ خطواتهم الأولى، وإنما بنوا تجاربهم تدريجيا، واستفادوا من الفرص التي سنحت لهم، وتعلموا من نجاحاتهم وإخفاقاتهم. فكيف يصبح ما كان ضرورة لهم في بداياتهم أمرا غير مقبول لمن يأتي بعدهم؟
إذا كنا نطالب كل مبادرة جديدة بالكمال منذ لحظة انطلاقها، فمن أين ستأتي أسماء الغد؟ وإذا اشترطنا على كل صوت جديد أن ينال الاعتراف قبل أن يسمع، فمن سيصنع مستقبل الأدب والثقافة؟ إن المشهد الثقافي الذي لا يفسح المجال إلا للأسماء المكرسة يتحول مع الوقت إلى دائرة مغلقة تعيد إنتاج ذاتها، وتفقد قدرتها على التجدد واستيعاب التحولات.
والأكثر إثارة للتساؤل أن بعض الأصوات التي تنتقد هذه المبادرات اليوم كانت تشكو بالأمس من ركود الحياة الثقافية وهيمنة الأطر التقليدية عليها. وما إن ظهرت مبادرات تحاول تنشيط المشهد وفتح مساحات للحوار والتجربة واكتشاف المواهب، حتى ووجهت بالتشكيك لأنها لم تبلغ الصورة المثالية المتخيلة لدى منتقديها.
والحقيقة أن هذه المبادرات لا تملك أن تخلق موهبة من العدم، ولا أن تصنع أديبا بقرار من برنامج ثقافي. دورها الأساسي يتمثل في إتاحة الفرصة، وإبراز التجارب الواعدة، وتقريب الجمهور من الكتب والكتاب والفعل الثقافي عموما. وهي بذلك تؤدي وظيفة ضرورية في أي بيئة ثقافية تسعى إلى الاستمرار والنمو.
كما أن حيوية المشهد الثقافي لا تتحقق بحصر المنابر في مجموعة محدودة من الأسماء، مهما بلغت مكانتها. إنها تحتاج إلى تدفق مستمر لأصوات جديدة وتجارب مختلفة تضخ فيه روحا متجددة. فالثقافة التي تكتفي بتكرار الوجوه ذاتها تفقد تدريجيا عنصر المفاجأة والتجدد الذي يمنحها الحياة.
وإذا أخفقت فعالية هنا أو أمسية هناك، فلا يصح أن يتحول ذلك إلى حكم نهائي على التجربة بأكملها. فالإخفاق جزء طبيعي من أي مشروع ناشئ، والنجاح لا يقاس بعدد الحضور وحده، خاصة في ظل التراجع النسبي الذي تشهده الفعاليات الثقافية عموما، وهو تراجع لا يقتصر على المبادرات الجديدة، وإنما يمتد أحيانا إلى فعاليات يشارك فيها كبار الأدباء والمفكرين.
ولا خلاف على أن النقد ضرورة لا يستغني عنها العمل الثقافي، فهو أداة للتقويم والتطوير وكشف مواطن القصور. غير أن النقد يفقد قيمته عندما يتحول إلى وسيلة للإقصاء أو إلى أحكام مسبقة تصدر قبل اكتمال التجربة. فالثقافة لا تصنع مستقبلها بالاعتماد على ما تحقق فقط، وإنما بقدرتها على منح الفرص لما هو في طور التشكل، والإيمان بأن الأسماء التي ما زالت تخطو خطواتها الأولى اليوم قد تكون من أبرز صناع المشهد الثقافي غدا.
محمد جبران
0






