غَرَّدَ أحدهم يومًا بأنَّ تولّي عضوِ هيئةِ التدريس إدارةَ الجامعة يخلق إشكالًا في طبيعة الدور؛ فالأستاذُ الجامعي يتكوَّن في بيئة البحث وإنتاج المعرفة، بينما إدارة الجامعة تحتاج قيادةً مؤسسيةً وتخطيطًا إستراتيجيًّا وإدارةَ مواردٍ بشريةٍ ومالية. وتداول آخرون ملاحظةً مختلفة: الوصولُ إلى بعض مديري الجامعات أصبح عسيرًا؛ ترسانةٌ من السكرتارية ومديري المكاتب، ومسافةٌ تتَّسع بين عضو هيئة التدريس وصاحب القرار.
الملاحظات تلامس ظاهر المشهد. المسألة تتعلّق بطبيعة المعرفة داخل الجامعة وبالبنية التي تنتظم عبرها السُّلطة العلمية.
الجامعة في أصلها مجتمعُ معرفةٍ متعدِّدُ المراكز. القسمُ العلمي يحمل مرجعيته الفكرية، والتخصّص يرتبط بشبكةٍ عالميةٍ من المعايير والمدارس البحثية. سُلطةُ المعرفة تتولّد في المعمل وقاعة البحث، ثم تنتظم عبر القسم، ثم تتكامل عبر الكلية ومجلسها العلمي، ثم تبلغ صورتها المؤسسية داخل مجلس الجامعة ونظامه.
بهذا المعنى تصبح الجامعة اتحادَ تخصّصاتٍ لا وحدةَ رأي. الفيزياء تستمد معيارها من مجتمع الفيزياء العالمي. الطبُّ تحكمه مرجعياته العلمية والمهنية. الهندسة تتشكّل معاييرها داخل مجتمع الصناعة والتطبيق. كلُّ تخصّص يحمل زاويته الخاصة في فهم العالم.
في بعض اللحظات يظهر يقينٌ علميٌّ طريف؛ يقينٌ يعتقد صاحبه أنه وجد المفتاح الذي يفسِّر العالم كلَّه. يرى الكون خوارزميةً واحدة، ويظن أنه الوحيد القادر على فكِّ شفرتها، وأن بقية العلوم تنتظر تفسيره الكامل. ثم تُضاف إلى الخوارزمية خطةُ درسٍ، فيتحوّل العالم في نظره إلى فصلٍ دراسيٍّ واسعٍ يحتاج قليلًا من البرمجة وقليلًا من التربية كي يستقيم.
يقينٌ تقنيٌّ يرى الكون خوارزمية، ويقينٌ تربويٌّ يرى الإنسان خطةَ درس. وعند اجتماع التخصّصين في إدارةٍ واحدة تظهر وصفةٌ إدارية مألوفة: خليطٌ من شفرةٍ لم تُختبر ومحاضرةٍ لم تُراجع.
الجامعة أوسع من أي خوارزمية، وأعمق من أي خطة درس. هي شبكةٌ واسعةٌ من المدارس والتقاليد العلمية. ولهذا نشأت المجالسُ العلمية واللجان والأنظمة حمايةً لتوازن المعرفة داخل المؤسسة.
عند هذا الحد يظهر السؤال الحقيقي: إذا كانت الجامعة مجتمعَ معرفةٍ متعدِّدَ المراكز، فكيف ينبغي أن تكون القيادة القادرة على حفظ هذا التوازن؟
القائدُ الأكاديمي الحقيقي يحمل ثلاث خصائص جوهرية:
أمانةٌ للمكان؛ يرى الجامعة بيتَ معرفةٍ لا منصّةَ عبور.
قدرةٌ على صناعة القيادات؛ القرار يتوزّع عبر العقول ولا يتجمّع في يدٍ واحدة.
بصيرةٌ مؤسسية؛ النظام الذي يبنيه يستمر بعد مغادرته.
هذه الصفات الثلاث تصنع جامعةً قادرةً على الاستمرار حتى في غياب المدير.
وقد لخّص غازي القصيبي هذه الفكرة بوضوح حين كتب أن الإدارة الناجحة تُقاس بالنظام الذي يبقى بعد صاحبها؛ فالمؤسسة التي تتوقف عند غياب مديرها لم تُبنَ بعد، وإنما تدور حول كرسيٍّ واحد.
الأكاديمي في أصله يقود العقول قبل أن يقود الإدارة. رسالته إشعال السؤال في ذهن الطالب، وتدريب العقل على الشك المنهجي، وفتح الطريق أمام المعرفة كي تتحول إلى فعلٍ في العالم. يقف في القاعة بوصفه قائدًا لمعمل الفكر، ويزرع في طلابه معنى المسؤولية العلمية. ومن تلك العقول تبدأ رحلة أوسع: المساهمة في بناء الأرض وتعميرها، وتحويل المعرفة إلى عمرانٍ في المجتمع.
في السنوات الأخيرة خرجت هذه الأسئلة من قاعات الأقسام إلى النقاش العام: إدارات تتحصّن خلف السكرتارية، ومسافة تتّسع بين الأستاذ وصاحب القرار، وتضخّم في الهياكل الإدارية حتى يكاد الجهاز الإداري يصبح أثقل من الجسد العلمي الذي يفترض أن يخدمه.
هذه الظواهر تكشف فراغًا مؤسسيًّا. عند ضعف النظام العلمي تبحث المؤسسات عن بدائل رمزية للحضور الإداري: استعراض الاتفاقيات، تضخّم البيانات الإعلامية، وتكثيف الظهور في المشهد العام. في تلك اللحظة تتحرّك الرسالة الأكاديمية خطوةً إلى الهامش.
الأستاذ يحتاج تمكينًا علميًّا حقيقيًّا.
الطالب يحتاج بيئةً تصنع قدرته على التفكير والعمل الجماعي.
القاعةُ والمعملُ والأنشطةُ اللاصفية تصوغ شخصية الخريج.
هذه الصورة ليست تصورًا نظريًّا؛ إنها تجربةٌ عشت تفاصيلها عن قرب. نشأت في السكن الجامعي وكان والدي ـ حفظه الله ـ يعمل في الجامعة، وكنت طالبًا بين أروقتها. ما زلت أذكر طفولتي يوم بدأ بناء سور الجامعة في عهد معالي الدكتور محمد رضا عبيد؛ لحظةً كشفت مع الزمن عن تشكّل حرمٍ جامعيٍّ كمدينة معرفةٍ لها حضورها وهيبتها.
في تلك المرحلة رسّخ معالي الدكتور محمد رضا عبيد فكرة أن الجامعة بنيةٌ علميةٌ متكاملة تُبنى بعناية لتخدم المعرفة وتمنح المؤسسة هيبتها.
بعد تلك المرحلة ظهرت مدرسةٌ قياديةٌ مختلفة مع معالي البروفيسور أسامة بن صادق طيب. صيدليُّ التكوين العلمي، يحمل دقّة المختبر وصرامة المنهج؛ عقلٌ يزن المركّبات قبل السماح لها بالدخول في تفاعلٍ كامل. انعكست هذه الحساسية على الإدارة: قرارٌ يُختبر كما تُختبر الفرضية، ونظامٌ يُبنى كما يُبنى البروتوكول العلمي.
هيبة الرجل حضرت بهدوء، ومسافة الاحترام نشأت طبيعيًّا، ومساحة العمل اتّسعت بثقة.
في تلك المرحلة اتخذت الجامعة شكل منظومةٍ قياديةٍ متكاملة عبر سبع وكالاتٍ رئيسية عملت بوصفها مراكز تخصّص داخل جسدٍ واحد. الحديث عن جميع تلك التجربة يحتاج مساحةً أوسع، غير أنني أعرّج هنا على نموذجين عشت أثرهما عن قرب.
في الدائرة الأقرب بالنسبة لي كان معالي البروفيسور عبدالله بن عمر بافيل. كان أستاذي في مرحلة الدكتوراه ورئيس القسم، وعملت معه عن قرب. تعلّمت من تلك التجربة أن القيادة الأكاديمية بناءٌ طويل الأمد؛ عقلٌ هندسي يرى المؤسسة شبكةَ عملياتٍ مترابطة، وإيمانٌ بأن المقومات تُصنع بالعمل لا بانتظار اكتمال الظروف. كان يردد أن القائد يصنع الإمكانات، ومع الوقت وجدت نفسي أستلهم نهجه في التدريس وفي النظر إلى العمل الأكاديمي.
وفي الدائرة القيادية ذاتها برز معالي البروفيسور أحمد بن حامد نقادي بوصفه صوت الاقتصاد المعرفي داخل الجامعة. المعرفة في نظره طاقةٌ قابلة للتحول إلى ابتكارٍ واستثمارٍ وشراكاتٍ علمية، ومسارًا لبناء قيمةٍ تتجاوز حدود النشر الأكاديمي.
ذلك التكوين لم يكن توزيعًا إداريًّا عابرًا؛ كان نموذجًا معرفيًّا متكاملًا: صيدلةٌ تحرس المنهج العلمي، اقتصادٌ يفتح مسارات القيمة، هندسةٌ تنظّم حركة المؤسسة.
بهذا التكامل استطاعت الجامعة أن تجمع بين توسّعٍ كمّيٍّ وصعودٍ نوعيٍّ في مكانتها العلمية.
في تلك المرحلة تَجَلَّت جامعةُ الملك عبدالعزيز أمَّ الجامعات في مسار التوسّع الحديث للتعليم العالي في المملكة. حاضنةُ قياداتٍ أكاديميةٍ وطنية، ومنها خرجت جامعاتٌ كاملة، وانتقلت خبراتها عبر قادةٍ امتد أثرهم خارج أسوارها.
هناك يتحول التعليم إلى قوةٍ وطنية تُعيد تشكيل الخريطة الجامعية.
سُلطةُ المعرفة تُبنى ببطء؛ تنشأ في المعمل، وتتغذّى من الحوار العلمي، وتكتسب شرعيتها من المجتمع العلمي العالمي.
أما سَلَطةُ الإدارة فتبدأ من مركزٍ واحد ثم تتّسع حوله الدوائر: مكاتب، لجان شكلية، وسلاسل توقيع تتكاثر حول القرار حتى يصبح القرار ذاته غايةً مستقلة.
في تلك البيئة تظهر ظواهر مألوفة: شِلَلٌ إدارية تدور حول المركز، حضورٌ إداري يعتمد على الرجل الواحد، إستراتيجيات لا تكاد تكمل دورتها الأولى حتى تُستبدل، وإجراءاتٌ يزداد شكلها ويقل أثرها.
عند تلك اللحظة يظهر الفرق بوضوح:
سُلطةُ المعرفة تبني مؤسسة.
سَلَطةُ الإدارة تستهلكها.
الأولى تصنع قيادات، والثانية تصنع مشهدًا. الأولى تترك نظامًا يعمل بعد غياب أصحابه، والثانية تبدأ من جديد كلما تغيّر الاسم على الباب.
الجامعة التي تُدار بعقلٍ واحد تضيق مهما اتّسعت مبانيها. الجامعة التي تُدار بمنظومةٍ قياديةٍ تتّسع عقولها قبل مساحاتها.
هناك تولد سُلطةُ المعرفة،
وهناك تنتهي سَلَطةُ الإدارة.
وعند تلك اللحظة تغادر الجامعة دائرة التوقيع
وتدخل بثقةٍ في منظومة الأثر.
0




