يأتي يوم التأسيس ليعيد قراءة المشهد التاريخي للجزيرة العربية من منظور الدولة والسيادة، وهي قراءة تبرهن، للحقوقيين والمؤرخين على حد سواء، أن الدولة السعودية لم تكن نتاج صدفة سياسية، بل كانت مشروعًا مؤسسيًا متكاملًا أرسى دعائمه الإمام محمد بن سعود – رحمه الله – عام 1727م، واضعًا أولى لبنات التنظيم القانوني والاجتماعي في منطقة سادها التشتت ردحًا من الزمن.
المرجعية النظامية في فكر التأسيس
من الزاوية القانونية، مثّل التأسيس انتقالة جوهرية من العرف القبلي المشتت إلى سيادة الدولة. فقد قامت الدولة السعودية الأولى على مرتكزات نظامية راسخة مستمدة من الشريعة الإسلامية، كفلت حقوق الأفراد، وحمت الملكيات، وأرست قواعد القضاء. وقد تجلّى ذلك مبكرًا في تنظيم القضاء، وضبط الحقوق والملكيات، وتحقيق الأمن العام بوصفه وظيفة أصيلة من وظائف الدولة، لا مجرد سلطة عرفية مؤقتة.
هذا الاستقرار المؤسسي هو ما منح الدولة ديمومتها، وجعلها قادرة على الصمود والتجدد عبر القرون، وصولًا إلى عهد التوحيد المبارك على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه –.
المواطنة والتحول الرقمي القانوني
إننا في الجامعة السعودية الإلكترونية، ومن قلب عروس البحر الأحمر جدة، نلمس الأثر القانوني لهذا التأسيس في أبهى صوره المعاصرة. فالدولة التي بدأت بنظام إداري محكم في الدرعية، هي ذاتها اليوم التي تقود التحول الرقمي في المنظومة العدلية والتعليمية.
إن المرونة النظامية المتجذرة في البناء التشريعي السعودي مكّنت المملكة من مواكبة متطلبات العصر، مع الحفاظ على الهوية الوطنية، وهو ما يتجلى في حوكمة الأنظمة الحديثة التي تخدم المواطن والمقيم وفق أعلى معايير الشفافية والكفاءة الدولية.
التأسيس.. منطلق لرؤية الطموح
إن الاحتفاء بيوم التأسيس ليس استدعاءً للتاريخ فحسب، بل هو تجديد للعهد مع المبادئ التي قامت عليها هذه الدولة: العدل، والقوة، والسيادة. وبصفتنا أكاديميين في الحقل القانوني، يقع على عاتقنا ترسيخ هذه القيم في نفوس الأجيال، وبيان أن الأنظمة المتطورة التي نعيشها اليوم في ظل رؤية المملكة 2030 ما هي إلا امتداد طبيعي لشرعية تاريخية وسيادية بدأت قبل ثلاثة قرون، قوامها حماية الإنسان، وبناء المستقبل بمداد من المجد والنظام.
فسيبقى إن شاء الله يوم التأسيس رمزًا لشموخ الكيان، ومنارة وطنية نستلهم منها قيم الانضباط والولاء، ودليلًا على أن الدولة السعودية قامت وستبقى على أسس راسخة من النظام والسيادة. حفظ الله قيادتنا، وأدام على وطننا أمنه وأمانه واستقراره القانوني والسيادي.
• أستاذ القانون بالجامعة السعودية الإلكترونية بجدة

