المقالات

رمضان… محطة سنوية لإعادة ضبط البوصلة

يأتي شهر رمضان كل عام لا كموعدٍ زمني يتكرر، بل كوقفةٍ عميقة تستعيد فيها الروح اتزانها الأول، وكأن الزمن يمنح الإنسان فرصة هادئة ليعود إلى ذاته قبل أن يعود إلى العالم من حوله. هو شهرٌ تتباطأ فيه الضوضاء الخارجية، ليعلو صوت الداخل؛ حيث يراجع الإنسان خطواته، ويعيد ترتيب أولوياته، ويصالح ما أثقل قلبه من انشغالات الحياة المتسارعة.

في ظل إيقاعٍ يومي يزداد تسارعًا وتعقيدًا، يفتح رمضان مساحةً للتأمل الصادق، لا باعتباره موسمًا عابرًا للعبادات فحسب، بل منهجًا متكاملًا لإعادة ضبط البوصلة النفسية والسلوكية. هنا تتحوّل العبادة من عادةٍ متكررة إلى وعيٍ حيّ ينعكس على السلوك الفردي، ويُعيد صياغة العلاقات الإنسانية بروحٍ أقرب إلى الرحمة والاتزان.

رمضان ليس شهرًا يمرّ على التقويم فحسب، بل عبورٌ داخلي تعبر فيه الروح من ضجيجها إلى صفائها الأول. هو اللحظة التي يستعيد فيها الإنسان نفسه كما خُلقت؛ نقيةً قبل أن تثقلها الأيام، وهادئةً قبل أن تتراكم عليها شوائب الطريق. في حضرته، تتخفّف الأرواح من أثقالها، ويهدأ الجسد، وتصبح العبادة حالة حضورٍ عميق لا يراها الناس بقدر ما يشعر بها القلب.

لقول الله تعالى الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، في إشارة إلى أن الصيام ليس حرمانًا، بل طريقٌ نحو الوعي والتقوى. شهرٌ واحد يعيد ترتيب ما استهلكته الشهور فينا؛ يعيد البوصلة إلى جهة القلب، ويوقظ النداء الخفي الذي يذكّر الإنسان بأن العودة إلى الله بداية طريقٍ جديد لا نهايته. ومن صامه إيمانًا واحتسابًا — كما ورد في الحديث الشريف — غُفر له ما تقدّم من ذنبه، لأن معيار القبول يرتبط بصدق النيّة قبل كثرة العمل.

في رمضان تُختبر النيّات قبل الأفعال؛ فالله لا ينظر إلى كثرة الخطوات بقدر ما ينظر إلى صدق الاتجاه. هنا يتحوّل الصيام إلى تحريرٍ للنفس من سلطان العادة، وتخفيفٍ لزحام المعنى، واستعادةٍ للصفاء الذي غطّته تفاصيل الحياة اليومية. كما تتجلّى القيم الاجتماعية في صور التكافل والعطاء؛ إطعام المحتاجين، ومساندة الضعفاء، ونشر الرحمة التي تجعل المجتمع أكثر تماسكًا.

ولا يقتصر أثر رمضان على الجانب الروحي، بل يمتد إلى بناء توازن نفسي وصحي يعيد للإنسان انسجامه الداخلي. فحين تهدأ الرغبات وتخفّ وتيرة الانشغال، تتضح الرؤية ويصبح الإنسان أقرب لفهم ذاته. وكم من شخصٍ يتمنى فعل الخير ولا يملك القدرة، فيرفع يديه بالدعاء فيكون دعاؤه صدقة قلبٍ خالصة، لأن الدين الحنيف يقيس العمل بصدق القصد قبل ظاهره.

في هذا الشهر أُنزل القرآن هدى ورحمة، وفيه ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر؛ ليلةٌ تتنزّل فيها السكينة كأن السماء تقترب خطوة من الأرض. فاغتنموا أيامه بقلوبٍ يقظة؛ جدّدوا النيات، وأحيوا الاستغفار، وتصدّقوا ولو بكلمةٍ طيبة، وارسموا ابتسامةً على وجوهٍ أرهقها الحزن.

هكذا يجمع رمضان بين عمق الروح ورصانة الفعل؛ بين التأمل الداخلي والمسؤولية الاجتماعية. فإذا خرج الإنسان منه بقلبٍ أكثر صفاءً ورؤيةٍ أكثر اتزانًا، أدرك أن الصيام لم يكن موسمًا عابرًا، بل بداية إنسانٍ جديد… أقرب إلى الله، وأصدق مع نفسه، وأكثر قدرةً على زرع الخير في الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى