«رحى لطيفة»
في كل عصرٍ مسارحه الخاصة،
غير أن أخطر المسارح ليست تلك التي تُقام فوق الخشبات وتُضاء بالمصابيح، بل تلك التي تُبنى داخل الوعي الإنساني، حين يصبح الانتباه قيمةً مستقلة، ويُقاس الحق بقدر ما يجذب الأبصار لا بقدر ما يحمله من معنى.
عندها يتغير السؤال.
فلا يعود الناس يتساءلون: ما الحقيقة؟
بل: ما الذي يلفت النظر أكثر؟
ومن هنا تبدأ الحكاية.
حكاية زمنٍ أصبحت فيه الأنظار عملة، والانتباه غاية، والظهور في كثيرٍ من الأحيان سابقًا على الفكرة نفسها.
زمنٍ لم يعد كل ما يُعرض فيه يستحق أن يُرى، ولا كل ما يُصفَّق له يستحق أن يُتبع، ولا كل ما يلمع يحمل في داخله نورًا.
لقد امتلأت الحياة بمسارح الانتباه؛ تلك المسارح التي لا تُبنى دائمًا على الحق، بل على القدرة على الجذب، ولا تُقاس فيها القيمة بعمق الأثر، بل بحجم التفاعل وسرعة الانتشار.
هناك… حيث ترتفع بعض الأصوات لأنها أعلى، لا لأنها أصدق.
وحيث يُعاد بعض المشاهد لأنها أكثر إثارة، لا لأنها أكثر حكمة.
وحيث يختلط الوهج بالنور، ويصعب على العيون المتعجلة أن تفرّق بينهما.
وفي خضم هذا الضجيج، قد يظن البعض أن الوصول هو الغاية، وأن التصفيق دليل، وأن كثرة المتابعين شهادة كافية على الصواب.
لكن الحقيقة أكثر هدوءًا من ذلك بكثير.
فالصدق لا يقف غالبًا في الصفوف الأولى.
ولا يحتاج إلى لافتاتٍ تعرّف به.
ولا يستمد قيمته من كثرة من يراه.
فالحق يبقى حقًا وإن سار وحده، والباطل يبقى باطلًا وإن ازدحمت حوله الجموع.
ولعل من أعظم ما يحتاجه الإنسان في هذا الزمن ليس عينًا ترى، بل بصيرةً تميّز.
وفي نهاية المطاف، لا يبقى في ذاكرة الأيام عدد المتفرجين…
بل يبقى ما تركه الإنسان من معنى، وما غرسه من خير، وما صدق فيه مع الله ثم مع نفسه ثم مع الناس.
فذلك هو التصفيق الحقيقي الذي لا ينتهي بانتهاء التجربة، ولا يخفت بانطفاء الأضواء.
وذلك هو النجاح الذي لا يحتاج إلى مسرح، لأن أثره يتكلم عنه حين يصمت الجميع.
فهل نتفكر؟





