قدّمتُ التهنئة مؤخرًا إلى صديقي بعد ترقيته إلى رتبة “أستاذ”، ولاحظتُ دهشة بعضهم كأنّه انتقل من لقبٍ أكبر إلى أصغر. ابتسمتُ؛ لأنني أعلم أن الانتقال من “دكتور” إلى “الأستاذ” في السُّلّم الأكاديمي صعودُ استحقاقٍ لا تبديلُ مسمّى
لكن الأخطر من تضخم الألقاب أن يتحول لقب “أستاذ” إلى أداة بيد شخص نافذ داخل مؤسسة رسمية؛ يمنحه لمن يشاء، ويحجبه عمّن يشاء، وكأن الرتبة الأكاديمية امتياز إداري يُوزَّع بحسب المزاج أو القرب، لا استحقاقًا يُبنى على مسار علمي واضح. هنا لا نكون أمام خطأ لغوي عابر، بل أمام خللٍ يمسّ العدالة المهنية ويهزّ الثقة في المؤسسة ذاتها.
الألقاب الأكاديمية لم تُنشأ للزينة، ولم تُصغ لتجميل المخاطبات الرسمية. هي مؤشرات دقيقة على مستوى تأهيل محدد، تُمنح بعد دراسة، وبحث، وتحكيم، وترقية نظامية. حين تُستخدم خارج هذا الإطار، أو تُثبت في وثائق رسمية بلا سند علمي، فإنها تفقد معناها وتتحول إلى واجهة شكلية لا أكثر.
حين يصبح اللقب مكافأة شخصية أو وسيلة استرضاء، تتغير قواعد اللعبة داخل المؤسسة. الموظف الذي يرى اللقب يُمنح على أساس القرب لا الكفاءة يفقد ثقته في المعايير. وصاحب الاستحقاق الحقيقي يشعر أن سنوات جهده يمكن أن تُختزل في كلمة تُمنح بقرار إداري. ومع الوقت، تتآكل روح التنافس العادل، ويحلّ محلها منطق الولاءات.
النفوذ حين يتداخل مع الألقاب يخلق بيئة هشّة. لا يعود الإنجاز هو الطريق إلى التقدير، بل العلاقة. ولا يصبح البحث الجاد هو معيار الترقية، بل الرضا الشخصي. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب مؤسسة يفترض فيها الانضباط؛ إذ تتحول من منظومة معايير إلى مساحة تقديرات شخصية.
الألقاب ليست ملكًا لأحد كي يوزعها، وليست حقًا يُمنح أو يُحجب بحسب الرغبة. هي توصيفات مرتبطة بمسار علمي محدد. إذا كان الشخص يحمل رتبة أستاذ جامعي وفق النظام المعتمد، فليُذكر لقبه كما هو. أما إن لم يكن كذلك، فالدقة تقتضي الالتزام بالمسمى الوظيفي الحقيقي دون زيادة أو إيحاء.
ولا يعني ذلك انتقاصًا من أحد. يمكن للإنسان أن يكون ذا قيمة عالية دون لقب أكاديمي. ويمكن للمسؤول أن يكون مؤثرًا وناجحًا دون أن يسبق اسمه حرف إضافي. المشكلة لا تكمن في غياب اللقب، بل في محاولة تعويضه بلقب غير مستحق. فالاستحقاق يُبنى، ولا يُصاغ بقرار.
المؤسسة الرسمية مطالبة بأن تكون أكثر صرامة من الأفراد في ضبط المصطلحات. الوثيقة الرسمية ليست ساحة مجاملات، بل مساحة توصيف دقيق. حين يُذكر الاسم متبوعًا بالمسمى الوظيفي الصحيح، تُحفظ المصداقية. وحين يُضاف لقب بلا سند، تُفتح ثغرة في جدار الثقة.
ثم إن زمن الإيحاءات قد انتهى. في عصر الشفافية الرقمية، يمكن التحقق من المؤهلات والسجلات البحثية بسهولة. وأي تضخيم غير مبرر قد ينكشف سريعًا، وعندها لا يتضرر الفرد وحده، بل تتضرر الجهة التي تبنّت ذلك التوصيف أو سمحت به. المصداقية رأس مال المؤسسات، وإذا تآكلت في التفاصيل الصغيرة، تآكلت في القضايا الكبرى.
الألقاب حين تُفصل عن معاييرها تتحول إلى أصوات فارغة. أما حين تبقى ضمن إطارها النظامي، فإنها تظل علامة على جهد حقيقي. العدالة المهنية تقتضي أن يُمنح كل ذي حق حقه، دون زيادة تُربك المعنى، أو نقصان يُهدر الاستحقاق.
في النهاية، ليست القضية صراعًا على كلمة، بل صيانة لمعيار. اللقب الأكاديمي ليس جائزة ولاء، ولا وسام قرب، ولا تعويضًا عن مسار لم يُستكمل. هو نتيجة عمل طويل، واعتراف مؤسسي موثق. وحين يُفصل النفوذ عن التوصيف العلمي، تستقيم المعايير، وتحفظ المؤسسات هيبتها، ويستعيد اللقب معناه الحقيقي.
زر الذهاب إلى الأعلى