يشهد قطاع التدريب في المملكة تحوّلًا تنظيميًا واضحًا، مع تصاعد الحديث عن “رخصة المدربين” بدلًا من “المدرب المعتمد”. وبين المصطلحين تقاطع ظاهري، غير أن الفارق بينهما يتجاوز البعد الاصطلاحي إلى سؤال جوهري: ما الذي نعدّه معيارًا للكفاية المهنية في التدريب؟ هل يكفي استيفاء متطلبات شكلية تمنح صفة، أم لا بد من اختبار معرفي يمنح رخصة ممارسة؟ أم أن كلا النموذجين بحاجة إلى إعادة بناء ليقيسا الممارسة التدريبية بوصفها فعلًا مهنيًا مركبًا؟
تقليديًا، ارتبط مفهوم “المدرب المعتمد” بمنطق التحقق من الشروط. فالحصول على هذا اللقب غالبًا ما يقوم على مؤهل علمي، وخبرة عملية، ودورات إعداد مدربين، وربما توصيات مهنية. وهو مسار يضبط حدًا أدنى من الجاهزية، لكنه لا يتضمن – في كثير من صوره – قياسًا موضوعيًا مباشرًا للمعرفة التخصصية في علم التدريب. فقد يُمنح الشخص صفة “مدرب معتمد” لأنه استوفى عناصر في سيرته الذاتية، دون أن يُختبر في نظريات التعلم، أو نماذج التصميم التدريبي، أو أدوات قياس الأثر. ومن هنا تتراجع القيمة العلمية للاعتماد إذا لم يُدعّم بأداة تقويم صارمة تقيس المعرفة فعليًا، لا مجرد توفر الشروط.
في المقابل، تبرز “رخصة المدربين” بوصفها انتقالًا من منطق الصفة إلى منطق الرخصة، أي من الاعتراف باستيفاء المتطلبات إلى اشتراط إثبات المعرفة. فهي تعتمد على اختبار معرفي علمي يقيس إلمام المتقدم بأسس علم التدريب، ونظرياته، ومهارات تصميم البرامج وإدارتها وتقويمها. وبذلك تُعد رخصة ممارسة، لا مجرد توصيف مهني. وهي – من حيث المبدأ – أكثر دقة من نموذج “المدرب المعتمد” في قياس الحد الأدنى من المعرفة التي ينبغي أن يمتلكها كل من يتصدى للتدريب.
غير أن النقد لا يتوقف عند هذه المفاضلة. فكما أفضت بعض الرخص المهنية في مجالات أخرى إلى تحويل معيار الكفاية من ممارسة مركبة إلى اجتياز اختبار معياري، فإن الخطر ذاته يهدد رخصة المدربين إذا غلب عليها الطابع الاختباري الصرف. إذ قد ينصرف اهتمام المدربين إلى التحضير للاختبار بوصفه هدفًا بذاته، لا بوصفه مدخلًا لتحسين أدائهم الفعلي. وعندها تتكرر الفجوة بين ما يُقاس نظريًا وما يُمارس داخل قاعة التدريب.
كما أن توحيد معايير الرخصة لجميع المجالات قد يثير تساؤلات حول ملاءمة الأداة المقيسة لطبيعة كل تخصص. غير أن رخصة المدربين – في فلسفتها – لا تقيس التخصص الأكاديمي الدقيق، بل القدرة على تقديم التدريب ذاته بوصفه ممارسة مهنية قائمة بذاتها. فالمجال الذي يدرّب فيه الشخص يُحدد بناءً على تأهيل علمي معتبر وخبرة موثقة في ذلك التخصص، بينما تُعنى الرخصة بقياس الكفاية التدريبية العامة المشتركة بين مختلف المجالات. فالطبيب الذي يدرّب، أو الإداري، أو التقني، يخضعون جميعًا لمنطق واحد في مهارات التدريب، لا في تفاصيل تخصصاتهم.
مع ذلك، يظل التحدي قائمًا في ضمان أن يقيس الاختبار القدرة الفعلية على تقديم التدريب بفاعلية، لا مجرد استيعاب نظري لمفاهيمه. فالتدريب ممارسة تفاعلية مركبة، تتضمن إدارة القاعة، وتحفيز المتدربين، والتكيف اللحظي مع السياق، وتحليل أثر التعلم. وهذه أبعاد لا يمكن قياسها كاملة عبر اختبار كتابي فقط.
لذلك، فإن النموذج الأمثل لا يكمن في الاكتفاء بلقب “مدرب معتمد”، ولا في الاكتفاء بـ“رخصة مدربين” قائمة على اختبار معرفي منفرد، بل في الجمع بين دقة القياس العلمي للمعرفة، وتنوع أدوات التقييم الأدائي الميداني. أي أن تقوم الرخصة على نموذج “البرهنة على الكفاية”، بحيث يُستكمل الاختبار المعرفي بملف إنجاز مهني، وملاحظة معيارية لأداء تدريبي، وتحليل أثر فعلي على المتدربين.
ويمكنني القول إن “المدرب المعتمد” في صورته التقليدية عانى من ضعف القياس العلمي لاعتماده على استيفاء المتطلبات دون اختبار معرفي صارم، بينما “رخصة المدربين” أكثر دقة من حيث التحقق من المعرفة، لكنها مهددة بالتحول إلى معيار اختباري منفصل عن الممارسة إذا لم تُدعّم بتقويم أدائي. والتحدي الحقيقي ليس في استبدال مصطلح بآخر، بل في بناء منظومة تجعل أثر التدريب في أداء المتدربين هو المعيار الأعلى للحكم على الكفاءة المهنية.




