✍️جمعان البشيري
منذ أن دخل مصطلح الذكاء الاصطناعي حياتنا، بدا الأمر وكأن البشرية قد خطت أخيرًا نحو عصرٍ لا يُخطئ فيه أحد، ولا يتعثر فيه قرار، ولا يُطرح فيه سؤال بلا إجابة. أجهزة تفكر، وبرامج تتعلم، وروبوتات تحلل، وخوارزميات تقترح عليك حتى ما يجب أن تشاهده قبل أن تعرف أنت ما تريد مشاهدته.
لكن المشكلة ــ كما يبدو ــ لم تكن يومًا في الذكاء الاصطناعي…بل في الغباء الطبيعي الذي ما زال يتجول بيننا بكامل عافيته!
فبعض الناس ظن أن امتلاك هاتف ذكي يعني أنه أصبح إنسانًا ذكيًا، وأن فتح حساب في منصة اجتماعية يؤهله ليكون محللًا سياسيًا، وخبيرًا اقتصاديًا، وناقدًا فنيًا، ومصلحًا اجتماعيًا… في نفس الدقيقة.
وهكذا وُلد مصطلح جديد غير معلن في قاموس الحياة المعاصرة:”الغباء الاصطناعي”.
هو ذلك النوع من الغباء الذي لا يأتي من نقص المعرفة، بل من وفرتها دون فهم.
تجد صاحبه يحمل العالم في جيبه، لكنه يعجز عن حمل فكرة متماسكة في رأسه.
اليوم يستطيع أي شخص أن يسأل الذكاء الاصطناعي عن تاريخ الأندلس، أو نظرية النسبية، أو الاقتصاد العالمي… لكنه في المقابل قد يستخدم نفس التقنية ليتأكد من إشاعةٍ سخيفة وصلته في مجموعة عائلية على تطبيق “الواتساب”، ثم يعيد نشرها بثقة العالم الذي اكتشف نظرية الجاذبية للتو!
ومن الطريف أن التقنية صارت أذكى من كثير من مستخدميها.
فالبرنامج يحلل، ويتحقق، ويقارن المصادر…
بينما المستخدم يقرأ العنوان فقط… ثم يعلن الحرب في التعليقات.
لقد أصبحنا نعيش زمنًا عجيبًا؛
الآلة تتعلم… والإنسان أحيانًا يرفض أن يتعلم.
فالذكاء الاصطناعي يسعى إلى تقليل الخطأ، بينما يصر بعض البشر على تطويره وتحديثه يوميًا!
حتى أصبح من الممكن أن ترى شخصًا يناقش قضية معقدة بثقة كاملة، مستندًا إلى مقطع فيديو مدته ثلاثون ثانية، أو منشور مجهول المصدر، أو صورة مفبركة كتب تحتها: “وصلني للتو… انشر تؤجر!”
ولو أتيح للذكاء الاصطناعي أن يتحدث بصراحة، لربما قال لنا:
“يا جماعة… أنا صُنعـت لأساعدكم على التفكير، لا لأفكر بدلاً عنكم!”
الحقيقة أن المشكلة ليست في التقنية، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها.
فالأدوات الذكية لا تصنع عقولًا ذكية… كما أن امتلاك مكتبة لا يجعل صاحبها فيلسوفًا.
لقد منحتنا الثورة الرقمية قوة هائلة للوصول إلى المعرفة، لكن بعضنا استخدمها للوصول إلى الثقة المفرطة بالجهل.
وهنا تحديدًا يظهر ذلك الكائن الجديد الذي يمكن تسميته مجازًا:
إنسان النسخة 2.0… بعقل النسخة 0.1!
والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي يتطور كل يوم، بينما لا يزال بعض البشر يقاوم أبسط تحديثٍ لعقله.
لذلك، قبل أن نخاف من سيطرة الآلات على العالم، ربما يجدر بنا أن نقلق قليلًا من شيءٍ آخر أكثر انتشارًا…
سيطرة الغباء الاصطناعي على النقاشات اليومية.
فالذكاء الاصطناعي قد يخطئ… نعم.
لكن الفرق أن الآلة تتعلم من خطئها.
أما بعض البشر…فهم يختلفون مع الحقيقة نفسها!
همزة وصل :
لعل أهم درس في عصر الذكاء الاصطناعي هو هذه التقنية يمكنها أن تجعل العالم أسرع… لكنها لن تجعل مستخدميه أذكى و أعقل إلاّ إذا قرر الإنسان أن يحدّث نفسه ويعيد الضبط أولًا.
وحتى يحدث ذلك… سيبقى الذكاء الاصطناعي يعمل ليل نهار، بينما يواصل الغباء الاصطناعي نشاطه… على مدار الساعة






