المقالات

خليجنا واحد و شعبنا واحد

اختار اليوم عنوانأً لمقالي: “خليجنا واحد وشعبنا واحد” وهي قصة أغنية تحولت إلى أيقونة تداولناها كشعوب خليجية منذ أكثر من أربع عقود لكنها لازالت تعبر عن مشاعر الخليجيين في المرحلة الحالية. وهو ليس شعاراً تسويقياً بل شعوراً عاماً واحساساً يقينياً تعيشه دول الخليج العربي منذ عقود وفي كل الحروب والأزمات التي خاضتها المنطقة، كنا ولازلنا صفاً واحداً. فالأمن الخليجي واحد تمثله وحدة المصير في مواجهة رياح الحرب الإقليمية, لا سمح الله. ففي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يشهدها عام 2026 ومع اتساع رقعة الصراعات الإقليمية التي تجاوزت الجبهات التقليدية لتطال أمن الطاقة والملاحة الدولية، يبرز الأمن الخليجي فهو ليس خيار سياسي فحسب، بل ضرورة وجودية وحتمية استراتيجية.

إن الترابط الخليجي اليوم يمر بإختبار هو الأصعب منذ عقود، حيث تفرض الحروب القائمة معادلة جديدة مفادها أن أمن الخليج يفرض وحدة لا تتجزأ. وهوما يعزز مفهوم الأمن الخليجي الشامل ويحتم الانتقال من التنسيق فحسب إلى الوحدة والتكامل. فلم يعد الأمن الخليجي مقتصرًا على حماية الحدود الجغرافية، بل امتد ليشمل الأمن السيبراني، وأمن الطاقة، والذكاء الاصطناعي الدفاعي.

وإن التهديدات الراهنة التي تستخدم المسيرات والصواريخ الباليستية لتهديد المنشآت الحيوية في المنطقة دفعت دول مجلس التعاون إلى تعزيز الدرع الخليجي المشترك و تمرين درع الخليج الذي أقيم في يناير الماضي أعلى مستويات الجاهزية القتالية والتكامل الميداني بين القوات المسلحة الخليجية، مؤكدًا أن الردع العسكري أصبح لغة موحدة في وجه أي اعتداء. كما تظهر أهمية الترابط الدبلوماسي و الوساطة
في التصدي للمواجهة المتصاعدة بين القوى الإقليمية ، فانتهجت دول الخليج سياسة الحياد الإيجابي. وبدلاً من الانجرار إلى صراعات الحروب وويلاتها، برزت عواصم خليجية وبالأخص الرياض وعمان كلاعبيين أساسيين في نزع فتيل الأزمة الحالية. كما قادت السعودية وقطر وعمان مسارات تفاوضية متوازية لخفض التصعيد بين الأطراف المتحاربة، مما جعل من المنظومة الخليجية صمام أمان عالمي يمنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة تؤثر على إمدادات الطاقة العالمية.

أما من حيث التحديات الراهنة لأمن الملاحة واقتصاد ما بعد النفط فتعد الهجمات المستمرة في مضيق هرمز والبحر الأحمر من أكبر التحديات التي تواجه الأمن الخليجي. ولاشك أن أي تعطيل للملاحة لا يهدد صادرات النفط والغاز فحسب، بل يضرب سلاسل التوريد العالمية. والرد الخليجي المتوازن تمثل في تعزيز الدفاع الجوي المتكامل وتوسيع الشراكات الاستراتيجية مع القوى العالمية لضمان حرية الملاحة، مع التأكيد على أن حماية هذه الممرات هي مسؤولية دولية تقودها دول المنطقة.

ويبرز السؤال الأهم ماهو دورنا كمواطنين في دول الخليج –وهو الدور الأهم على الاطلاق– و تتمثل الإجابة في وحدة الجبهة الداخلية و تعزيز قوة المصير المشترك و الثبات في وجه التهديدات. فيأتي أمن الخليج العربي ليجسد وحدة الأجهزة الأمنية في مواجهة الجرائم المنظمة والإرهاب والتهديدات الهجين. وإن قوة المنظومة الخليجية تكمن في قدرتها على درأ الفتن و عزل أي تصرفات لا مسؤلة من قبل أي جهة داخلية عن تداعيات الحروب الخارجية، وضمان استمرار برامج التنمية والتحولات الاقتصادية الإيجابية والعمل لتحقيق الأهداف التنموية دون توقف.

وفي الختام تُثمَّن دعوة وزير الإعلام سلمان الدوسري بشأن الوقوف صفًا واحدًا في مواجهة كل من يستهدف أمن دولنا واستقرارها، ودعوته الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون إلى الاصطفاف خلف خطاب إعلامي مسؤول، لتبقى وجهتنا واحدة: دول قوية مستقرة في وجه العدوان. فالرسالة التي نوجهها كسعوديين ومن الخليج إلى العالم اليوم هي أننا مجتمعات واعية ستواصل العمل والبناء، ودحض الشائعات والفتن، وأن التحديات الأمنية الراهنة قد صهرت دول المجلس في كتلة واحدة أكثر تماسكًا. كما أن بقاء الخليج واحةً للاستقرار والنمو وسط إقليم مضطرب بالحروب يُعد برهانًا واضحًا على نجاح رؤية الترابط الخليجي، وكما اجتزنا التحديات السابقة سنجتاز ما يأتي منها بثبات وقوة وعزم بمشيئة الله.

أ.د. أماني خلف الغامدي

جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى