عام

صعود المملكة: قفزات نوعية في مؤشرات الابتكار والمعرفة عالمياً

تمضي المملكة العربية السعودية بخطواتٍ ثابتة ومتسارعة نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030 الطموحة، والتي تضع الابتكار والمعرفة في صميم مسيرتها التنموية. بل إن الأداء الاستثنائي الذي سجلته المملكة في التقارير والمؤشرات العالمية الأخيرة ليس مجرد أرقام عابرة، بل هو تجسيدٌ لجهودٍ وطنية مُركّزة واستراتيجيات طموحة تهدف إلى بناء اقتصاد معرفي متنوع ومستدام، يتميز بالتنافسية العالمية وقدرة عالية على التكيف مع متطلبات المستقبل.

ويُعدّ “مؤشر الابتكار العالمي” بوصلةً عالمية لقياس مدى نجاح الدول في تحويل الأفكار إلى قيمة اقتصادية. وفي هذا المضمار، أثبتت المملكة جدارتها في نسخة 2024، حيث حققت المرتبة 47 عالميًا، محافظةً على موقعها المتقدم كـ ثاني أكبر اقتصاد مبتكر عربيًا. هذا التقدم، وإن كان بمركز واحد مقارنة بالعام السابق، فإنه يُشير إلى استمرار الزخم في بيئة الابتكار، وإلى متانة البنى التحتية التي تُساند هذا القطاع، مؤكدةً أن الابتكار ليس هدفاً مرحلياً بل ثقافة مؤسسية راسخة.

وقد حققت المملكة العربية السعودية قفزة تاريخية في مؤشر المعرفة العالمي ولم يقتصر الإنجاز على الابتكار، فقد شهد “مؤشر المعرفة العالمي” لعام 2022 قفزةً نوعية للمملكة، تجاوزت التوقعات، حيث قفزت 13 مرتبة عالميًا. هذا التحول لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة استثمار مباشر ومكثف في ركائز المعرفة. وتفصيلاً، أظهرت المملكة تقدماً ملحوظاً في محاور المؤشر، حيث تقدمت 10 مراتب في مؤشر التعليم والتدريب التقني والمهني، ما يعكس الاهتمام بتأهيل الكفاءات لسوق العمل المتغير. كما تقدمت 5 مراتب في الإطار التنظيمي، مما يدل على تهيئة بيئة تشريعية جاذبة للاستثمار والابتكار. وكذلك تقدمت 4 مراتب في محور وفرة المواهب، وهو المؤشر الذي يُعنى بمدى القدرة على استقطاب وتطوير الكفاءات البشرية.

أما عن إنجازات البحث والابتكار، فقد نضجت ثمار الدعم اللامحدود لتتحول إلى ريادة عالمية ملموسة؛ حيث لم تعد المخرجات مجرد مشاركات، بل أصبحت هيمنة على منصات التتويج الدولية. وقد تجلى ذلك في التصاعد المستمر لأداء المنتخب السعودي للعلوم والهندسة في معرض “آيسف”، فبعد الإنجاز التاريخي في 2023، واصل المبتكرون السعوديون تألقهم في “آيسف 2024” بحصد 27 جائزة كبرى وخاصة، وصولاً إلى تعزيز هذه المكانة في المحافل الدولية لعام 2025، مما يؤكد استدامة جودة التعليم وتجذر ثقافة البحث العلمي لدى الأجيال الناشئة. واستمراراً لهذا النهج التصاعدي، توج المنتخب السعودي تألقه في معرض “آيسف 2025” بحصد 25 جائزة دولية (14 جائزة كبرى و11 جائزة خاصة)، محققاً المركز الثاني عالمياً في عدد الجوائز الكبرى. وبهذا الإنجاز، ارتفع رصيد المملكة التاريخي في المسابقة إلى 185 جائزة، مما يرسخ مكانتها كقوة علمية ضاربة قادرة على التفوق في مجالات دقيقة مثل الطاقة، الكيمياء، والهندسة البيئية أمام نخبة من المبتكرين من أكثر من 70 دولة.
وعلى صعيد المؤشرات العالمية، شهدت المملكة تحولاً جذرياً في بيئة الابتكار؛ حيث حققت قفزات متتالية في مؤشر الابتكار العالمي (GII)، مدفوعة بزيادة هائلة في عدد براءات الاختراع المسجلة دولياً، وخاصة في مجالات التقنيات العالية والتقنية الحيوية والطاقة النظيفة. هذا التقدم المطرّد يترجم التوجه الاستراتيجي نحو “الابتكارات ذات القيمة الاقتصادية”، حيث ارتفعت تنافسية المملكة عالمياً لتصبح مركزاً إقليمياً للتقنيات المتقدمة، مما يعزز من مكانتها كقوة ابتكارية صاعدة في خارطة الاقتصاد المعرفي العالمي.

أما عن التنافسية العالمية والمبادرات الريادية فهي تؤكد هذه القفزات مكانة المملكة كقوة اقتصادية صاعدة قادرة على المنافسة. ففي “مؤشر التنافسية العالمي” لعام 2022، احتلت السعودية المرتبة 24 عالميًا، وسجلت ثاني أفضل تقدم بين الدول محل القياس. إن هذا التميز في التنافسية يعكس متانة الاقتصاد الوطني وفعالية الإصلاحات الهيكلية التي تهدف إلى تسهيل الأعمال وجذب الاستثمارات. فوفقاً لـ “كتاب التنافسية العالمي” (WCC) الصادر عن المعهد الدولي للتطوير الإداري (IMD) لعام 2024، واصلت السعودية تقدمها المذهل لتحتل المرتبة 16 عالمياً بين الدول الأكثر تنافسية، مدفوعة بأداء استثنائي في محاور كفاءة الأعمال والبنية التحتية.
إن هذا التميز ليس مجرد رقم، بل هو انعكاس لنجاح الإصلاحات الهيكلية الشاملة التي جعلت المملكة تتصدر دول مجموعة العشرين في عدة مؤشرات فرعية، مثل الأمن السيبراني، وتوافر رأس المال الجريء، وكفاءة سوق العمل. كما أن التحول الرقمي المتسارع وسهولة ممارسة الأعمال قد ساهما في جعل البيئة الاستثمارية السعودية من الأكثر جذباً وتنافسية على مستوى العالم، مما يؤكد أن المملكة لم تعد تكتفي بالمنافسة، بل أصبحت ترسم ملامح “اقتصاد المستقبل” المستدام.
ولدعم هذا التوجه، أطلقت المملكة حزمة من المبادرات النوعية في مجال الابتكار وريادة الأعمال، ومن أهمها: صندوق الابتكار التقني العميق: وهو برنامج مصمم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة المبتكرة التي تعمل في التقنيات المستقبلية، مما يضمن تدفق الأفكار الرائدة إلى السوق. كذلك يجدر الإشارة إلى مبادرات مؤسسة مسك وبرامج التدريب على الابتكار و التي تساهم بشكل فاعل في تطوير الكفاءات الوطنية، وبناء جيل من القادة والرواد القادرين على قيادة موجات التغيير والابتكار في مختلف القطاعات.

ختاماً… إن هذه الأرقام والإنجازات ليست مجرد إحصائيات تُضاف إلى السجلات، بل هي شهادة على قوة “رؤية السعودية 2030” في تحويل التحديات إلى فرص، وتحويل الطموحات إلى واقع ملموس. فهي رؤية تصنع المستقبل كما أن تركيز المملكة على الابتكار والمعرفة والتنافسية يضعها في مصاف الدول الرائدة عالمياً، ويؤكد التزامها ببناء مستقبلٍ مستدام يعتمد على العقول المبدعة والتقنيات المتقدمة. الطريق ما زال طويلاً، لكن الإشارات الحالية تؤكد أن المملكة تسير على المسار الصحيح نحو تحقيق مكانة ريادية عالمية وراسخة في القرن الحادي والعشرين.

• جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

أ.د. أماني خلف الغامدي

جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى